أنطولوجيا الرمز “صحيفة المدينة”: نحو قراءة جديدة للتاريخ في مشروع النهضة

“هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس… وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو آثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).”

صحيفة المدينة، نشرت هذه الوثيقة بتصريح من المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول شيكاغو.

كيف يمكن لمجتمع يخرج من رحم الصراعات القبلية أن يؤسّس لنظام سياسي عادل؟ وما الذي يجعل وثيقة ما تتحول من اتفاق اجتماعي محدود إلى نصٍّ مُؤسِّس لوعي حضاري جديد؟ ثم كيف نقرأ اليوم وثيقة كُتبت قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا في ضوء مفاهيم الفلسفة السياسية المعاصرة؟ تُعتبر وثيقة المدينة واحدة من أهم النصوص التأسيسية في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي، وأحد أقدم النماذج الدستورية التي وضعت تصورًا نظريًا وعمليًا لعلاقة السلطة بالمجتمع، ولتنظيم الروابط بين الجماعات الدينية والقبلية المختلفة. إنّ تحليل الوثيقة في ضوء الفلسفة السياسية المعاصرة يكشف عن حضور مبكر لمفاهيم العقد الاجتماعي، وسيادة القانون، والعيش المشترك، وبناء المجال العام، وهي مفاهيم لم تُصَغ في الغرب إلا بعد قرون طويلة مع هوبز ولوك وروسو “فلاسفة العقد الاجتماعي”. فالوثيقة لا تعتبر “اتفاق قبائلي”، وإنما كانت إعادة هندسة للعلاقات الاجتماعية، وصياغة لروح سياسية جديدة تنقل المجتمع من حالة العصبية القبلية إلى شرط الجماعة السياسية الواعية.

يبدأ النص بتحديد المرجعية الحاكمة: “هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس.”، وهذا الإعلان يشكّل منعطفًا فلسفيًا لأنه ينقل الاجتماع الإنساني من رابطة الدم “القبيلة” إلى رابطة القيم “الدولة”. وبهذا تتضح روح ما يسميه بول ريكور “الانتقال من الهوية الصمّاء إلى الهوية السردية”، حيث تصبح الأمة مشروعًا أخلاقيًا قائمًا على معنى مشترك لا على أصل مشترك. ولعل كانط نفسه، حينما تحدث عن “وحدة الجنس البشري الأخلاقية”، لا يبتعد كثيرًا عن الروح التي تومض في هذا النص التأسيسي.

إقرأ المزيد:  العقل العربي.. نقد الذات وبناء النهضة في مشروع الجابري

تتضمن الوثيقة تصورًا عميقًا عن العدالة، يظهر في بنود التعاقل، وفداء الأسير، ومنع الظلم، وحماية الضعيف…، هذه العناصر تشكّل ما يسميه جون رولز “مبادئ الإنصاف”، إذ تُبنى الجماعة السياسية على قواعد تُطبّق على الجميع دون تمييز. فالوثيقة تشدد على أن “يد المؤمنين على من بغى منهم”، وهو نص يجسد مبدأ سيادة القانون، وإخضاع القوة لميزان الحق، ومنع السلطة –أيًا كانت– من التحوّل إلى أداة للاستبداد. هكذا، تتقاطع التجربة النبوية مع النزعة الجمهورية الكلاسيكية التي ترى أن الحرية لا تُصان إلا حينما يكون المواطنون شركاء في ضبط القوة العامة.

كما تبرز الوثيقة نموذجًا رائدًا للتعددية الدينية حينما تقر بأن “اليهود أمة مع المؤمنين”، وأن لهم دينهم وللمسلمين دينهم، وأن حماية الحقوق مشتركة. هذا الاعتراف يعبّر عن فهم مبكر لمعنى “التعدد داخل الوحدة”، وهو ما يسميه تشارلز تايلور “سياسة الاعتراف”. لأن التنوع لا يُنظر إليه بوصفه تهديدًا، بقدر ما هو شرطٌ من شروط العمران، كما تقول النصوص القرآنية ذاتها في قول الله تعالى: “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”. وهو ما يجعل وثيقة المدينة نصًا يتجاوز مفهوم التسامح إلى تأسيس قيمة “التعاقد الأخلاقي بين المختلفين”.

وتقدّم الوثيقة كذلك تصورًا لسلطة الدولة باعتبارها سلطةً ضابطة لا مستبدة؛ فالمرجعية النهائية للنص التعاقدي، إذ جاء في الصحيفة: “وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو آثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)”، يقصد بهذا أن السلطة ليست مالكًا للمجتمع، بقدر ما هي وكيلًا عليه. إنها سلطة مقيدة بقيم، ومنضبطة بنصّ، وخاضعة للمساءلة العلنية. في هذا السياق يمكن استدعاء قول الفيلسوف كارل ياسبرز: “كل سلطة لا تُضبط بالمعنى تتحول إلى بطش”، والمعنى هنا هو ما تمنحه الوثيقة من قواعد للعدل، وحماية للضعيف، واحترام للعقود، وإنصاف للآخر.

ولعل أكثر ما يميز الوثيقة هو قدرتها على تحويل المدينة –بمفهومها الجغرافي– إلى “فضاء مدني”، تحكمه قواعد واضحة: لا تجار حرمة إلا بإذن، الجار كالنفس، حماية الجبهة الداخلية، وحدة السلم والحرب. هذه العناصر تقترب كثيرًا مما يسميه هابرماس “العقلانية التواصلية”، أي بناء المجال العام على قواعد تفاهم لا على تفوق طرف على آخر. وهكذا، فالوثيقة تنظّم تدفق القوة داخل المجتمع، ولكنها أيضًا تنظّم تدفق المعنى، وتعيد تشكيل علاقة الفرد بالجماعة والقبيلة والدولة.

إقرأ المزيد:  المهمشون في التاريخ.. صُنّاع التاريخ الذين ابتلعهم النسيان

إن الفعل الدستوري في التجربة النبوية لم يكن معزولًا عن الأخلاق، فقد قامت الوثيقة على مبدأ “البر دون الإثم”، وهذا المبدأ يشبه ما تسميه الفلسفة السياسية الحديثة “الشرعية الأخلاقية للقانون”. بمعنى أن القانون لا يكون صالحًا ما لم يكن حاملًا لقيم العدالة والخير العام. ولهذا لم تكن الوثيقة عقدًا سياسيًا فحسب، وإنما كانت تأسيسًا لمجتمع يدرك ذاته باعتباره مشروعًا أخلاقيًا، على حد تعبير أمارتيا سن الذي يرى أن “المجتمع لا يُعرّف بقوته بل بقيمه”.

من وجهة نظر فلسفية، يمكن القول إن وثيقة المدينة تمثل أول لحظة في الحضارة الإسلامية تتجسد فيها فكرة “العقد الاجتماعي” بوضوح: جماعات متعددة تُبرم فيما بينها اتفاقًا لتنظيم شؤون المصالح المشتركة، وتحدد علاقاتها المتبادلة، وتخضع لسلطة مشتركة تضمن تطبيق القانون. إنها لحظة تأسيس للسياسة بوصفها عقلًا مشتركًا، لا بوصفها غلبة.

إن قراءة وثيقة المدينة اليوم، في عصر يعود فيه السؤال السياسي إلى جذوره الأولى، تكشف أن التجربة النبوية قد سبقت كثيرًا من النظريات الحديثة في بناء الدولة المدنية القائمة على التعددية والعدالة وسيادة القانون. ومن اللافت أن روح الوثيقة تنسجم مع مقولة الفيلسوف روبرت نوزيك: “الدولة العادلة هي التي تترك لأفرادها أن يكونوا مختلفين دون أن تتركهم متنازعين”، وهذا بالضبط ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: أسّس نظامًا سياسيًا قادرًا على إدارة الاختلاف دون أن يسحقه.

وفي الأخير، فإن وثيقة المدينة لا تعتبر بأي حال من الأحوال صفحة من الماضي، بقدر ما هي –بمعنى فلسفي– لحظة من لحظات ولادة الفعل الدستوري في تاريخ الإنسانية، نصٌّ يربط السياسة بالأخلاق، ويحوّل التعدد إلى قوة، ويجعل الدولة إطارًا عامًا يخدم الجماعة ولا يتسلط عليها. إنها درسٌ في كيفية بناء مجتمع حرّ وعادل، ينتمي إلى ذاته دون أن ينغلق، ويعيش تعدده دون أن يتفكك، ويمنح للإنسان مكانته بوصفه كائنًا صانعًا للمعنى قبل أن يكون صانعًا للقوة.