أنثروبولوجيًا، يستمر البحث عن الحياة في الموت. أعني أن في ثقافات مختلفة، تؤدي طقوس الموت دور تكييف الأحياء مع ظاهرة الموت. فالموت بهذا المعنى، فعل عبور من لحظة شبيهة بقوسين (..) بين عالمين، أي عالم الأموات والأحياء. فمن النعي مرورا بطقوس الدفن ثم التعازي، وإلى مراسيم المأتم، كلها تكييف اجتماعي يساعد الأحياء على الاستمرار في مواجهة هول الموت دون الاستسلام من متعة الحياة (البحث عن الحياة في الموت). فالموت لحظة سكون وصمت رهيبين. سكون في حقيقته ضجيج داخلي يملأ فراغات في نفوس الأحياء. صمت في عمقه أسئلة عن الموت، عن الحياة، أو بالأحرى عن المعنى. صمت في حقيقته يُعجز كل الأدوات البلاغية لإلقاء خطاب في النفوس، خطاب معناه “لحظة انحلال الروابط بين الكلمات والأشياء” بتعبير فتحي مسكيني. فالموت بهذا المعنى، لحظة خطابية تثير انتباه الأحياء بشكل عابر إلى لحظة تنحلّ فيها الروابط بين الكلمات والأشياء.
كل موت لحظة خطابية بهذا المعنى، وكل حياة تجربة وجودية، وقليل من الأحياء من ينجح في تحويل تجاربهم الوجودية إلى لحظات خطابية. نغوغي واثينغو من هذه القلة. فقد نجح في جعل تجاربه الوجودية لحظةً خطابيةً تثير بشكل مستمر حدوث انحلال على مستوى الروابط بين الكلمات والأشياء/ بين الأدبي والسياسي والاجتماعي.
في الأربعاء ٢٨ ماي الماضي، نقرأ على الفيسبوك واجيكو وا نغوغي ابنة نغوغي، وهي تعلن عن وفاة والدها مختتمة نعيها بالقول” لقد عاش حياة كاملة وأبلى بلاء حسنا”. قد يكون الجميع قادرا على فهم الجملة الأولى “عاش حياة كاملة”، وخاصة أنها قد تعني زمانية عمودية Temporalité verticale ، أي ظهوره في الدنيا عام ١٩٣٨ واختفاءه منها بعد ٨٧ عام من تجارب. ولكن كيف نفهم الجملة الأخيرة من النعيّ “أبلى بلاء حسنا”؟ إنّها تعني زمانية أفقية Temporalité horizontale غير قابل للاستيعاب لدى الجميع. أو إنّها قد تعني “نغوغي لا يموت!” لا يموت، لأنّ ما أعلنت عنه واجيكو وا نغوغي “حدث”، والحدث هنا بالمعنى الذي يعطيه مسكيني للمفهوم. لأنّه لحظة فارقة لا يمكن الإعلان عنه في أي لحظة. إنّ ما تمّ الإعلان عنه 28 ماي الماضي يشبه مستحيلا نجح جزء من الناس في إحداثه. وأنّ أي محاولة لوصفه كموت بالمعنى الطبيعي للموت )توقف الحياة( سيكون بلا جدوى. ما أعلنت عنه واجيكو على صفحتها في الفيسبوك مستحيل لا يحتاج إلى وجودنا كممكن لتبريره. فما حدث مستقل عنا، ولكننا مجبرون على اتخاذ موقف منه. إمّا أن نقف خارجه وكأنّ شيئا لم يحدث، أو أن نرى فيه مسألة هووية ونقول بذلك “إنّ نغوغي لا يموت”.
لا يموت لأنّ تجاربه تحوّلت إلى وعاء لأدب ما. أدب ديكولونيالي، كبنية خطابية تؤسس باستمرار لحدوث انحلال الروابط الكولونيالية كلما استحدث الزمن ووُجدت داخله سلطة ما. نغوغي لم يكن كاتبا وأديبا فقط فنعلن عن موته باختفاءه، إنّه فعل مقاومة، كتعبير وجداني عن رغبة في البداية من جديد. ليس كاتبا فحسب، إنّه فعل ثقافة acte culturel ، أو رمز من رموز الديكولونيالية symboles de la décolonialité، ثم إنّه صراخ ديكولونيالي يملأ صداه كل فراغ كولونيالي داخل كل أشكال السلطة.
حوّل نغوغي تجاربه الوجودية إلى خطاب أدبي، ثم حوّل هذا الأخير، خطابه الأدبي، إلى فعل نضالي ينبني على أساسين؛ أساس نصي يتمثل في تفكيكه للبنية الكولونيالية للسلطة من خلال “أدب إفريقي” يتسع لكل أساليب الحياة اليومية، والتواريخ الاجتماعية والسياسية في إفريقيا لأن الشرط الوجودي لهذا الأدب “لغة إفريقية”. وأساس سياسي/حضاري يتمثل في دعوته إلى عمليات re-membering إفريقيا وشتاتها. فجملة أدبه كبنية خطابية يتلخص في فعل ديكولونيالي يتأسس على تفكيك كولونيالية السلطة، وإعادة التشكيل لعضويات تائهة وصامتة إثر تمزق الجسد re-membering. فتفكيك البنية الكولونيالية للسلطة لغته لا يمكن أن تكون إلا “إفريقية”. لكن أي لغة تصلح للتعبير عن تساؤل وجودي بحجم re-membering لعضويات تائهة، وأحيانا صامتة لأنّ وجدانه غير قابل للتعبير عنه؟
في الحقيقة، لا يوّفر لنا نغوني جوابا صريحا لهذا السؤال من داخل خطابه، على الأقل على مستواه النصي. لكن ثمة تمرين ما قد يساعد على العثور على جواب للسؤال، وهو أن نقف خارج المستويات النصية لخطابه، حيث يعتبر نغوغي “فرنسية ما”، “عربية ما” و”انجليزية ما” لغات إفريقية. وفي هذا الموقف جواب عن سؤالنا. إنّه يؤسس وبشكل ضمني للغة تصلح للتعبير عن فعل ديكولونيالي بحجم re-membering ، وهذه اللغة لا يمكن أن تكون إلا “الترجمة ” كفعل كرم hospitality بتعبير سليمان بشير ديان. إنّه أدب من لغة إلى لغة، وتفكير من لغة إلى لغة، يُمحى من خلاله الاختلاف الكولونيالي la différence coloniale كشرط مبدئي لكل لحظة ديكولونيالية.
فمن دون وعي منا، وبشكل صامت كموت، مارسنا ومورس علينا re-membering في لحظة موت نغوغي. في جميع أنحاء القارة، وفي أقصى أركان شتاتها، ومن لغة إلى لغة، أو من لغات إلى لغات، تمت إعادة تشكيل لحظة موت نغوغي كحدث بأشكال مختلفة. وفي علم المنطق، تعلمنا تعدد النتائج بتعدد المقدمات واختلافها، غير أن حدث وفاة نغوغي لقّننا درسا جديدا يخرق هذا القانون، ويتجسد الدرس في وحدة النتيجة رغم تعدد المقدمات واختلافها، “البحث عن الحياة في موت نغوغي/ البحث عن إمكانيات ديكولونيالية في خطابه”. ففي كل الأشكال المختلفة والمتعددة، والتي تمت من خلالها إعادة صياغة لحظة موت نغوغي، يؤدي اللامنطوق le non dit فيها وظيفة البحث عن الحياة في الموت كحدث خطابي. وذلك يعني ببساطة “إنّ نغوغي لا يموت!”
شيخ سيسي
مونتريال 4 يونيو 2025








