البرلمان بين التمثيل والتشاور: تاريخ الفكرة السياسية من الإكليسيا والشورى إلى المؤسسة الحديثة

“إنّ السيادة لا يمكن تمثيلها، للسبب نفسه الذي يجعلها غير قابلة للتنازل؛ فهي تقوم أساسًا على الإرادة العامة، والإرادة لا تُمثَّل: إمّا أن تكون هي نفسها أو أن تكون غيرها، ولا وسط بين الأمرين.”

جان جاك روسو، العقد الاجتماعي.

ما الذي جعل البشر يبحثون، عبر التاريخ، عن صيغ جماعية لاتخاذ القرار السياسي؟ وكيف تحوّل الاجتماع البشري من حكم الفرد المطلق إلى أشكال تمثيلية تسعى إلى ضبط السلطة ومساءلتها؟ ثم بأي معنى يمكن اعتبار البرلمان تتويجًا لمسار طويل من التفكير في العدل السياسي، والمشاركة، والشرعية؟ وهل تمثّل التجربة البرلمانية الحديثة قطيعة مع الماضي، أم امتدادًا تاريخيًا لأشكال أقدم من التشاور السياسي؟ يرتبط تاريخ البرلمان بتاريخ الفكرة السياسية ذاتها، أي بتاريخ السؤال حول من يملك القرار، وبأي شرعية، ولصالح من يُمارس الحكم. حيث أن المؤسسة البرلمانية لم تنشأ فجأة، وإنما تشكّلت عبر تراكمات تاريخية وفلسفية واجتماعية، عبّرت عن تحوّل عميق في تصور العلاقة بين السلطة والجماعة.

يرتبط تاريخ البرلمان بتاريخ الصراع من أجل تقييد السلطة وربط الحكم بالمسؤولية. فمنذ اللحظات الأولى لنشوء المجتمعات السياسية المعقدة، برزت الحاجة إلى آليات تشاركية تنظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتمنح القرار السياسي شرعية تتجاوز القوة والعصبية. وقد عبّر أرسطو في كتابه “السياسة” عن هذا المعنى حين قال: “حيثما تسود القوانين، تسود الدولة، وحيثما يحكم الأفراد، يفسد النظام”. يحمل هذا القول تصورًا مبكرًا لفكرة الحكم المؤسسي القائم على النقاش والتنظيم بدل الإرادة المنفردة.

تعود البذور الأولى للفكرة البرلمانية إلى العالم القديم، خاصة في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، حيث عرفت الديمقراطية المباشرة عبر مجلس المواطنين المعروف بـ”الإكليسيا”. كان المواطنون الأحرار يجتمعون لاتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب والسلم والتشريع. ورغم محدودية هذه التجربة من حيث الإقصاء الاجتماعي والطبقي، فقد أسست لمبدأ جوهري يتمثل في مشاركة الجماعة في صناعة القرار. وقد كتب المؤرخ اليوناني ثوسيديدس في كتابه ” تاريخ الحروب البولوبونيسية” حول “خطاب التأبين لبيركليس” الشهيرة سنة 431 ق.م: “نظامنا السياسي يدعى ديمقراطية لأن السلطة فيه في أيدي الكثرة لا القلة”.

مع انتقال أوروبا إلى العصور الوسطى، تراجعت المشاركة السياسية الواسعة، غير أن فكرة التمثيل لم تختفِ. ففي إنجلترا، شكّل صدور الماجنا كارتا سنة 1215م محطة مفصلية في تاريخ السلطة السياسية، إذ فُرض على الملك جون الثاني الاعتراف بحق النبلاء في المشورة والموافقة على الضرائب. وقد مثّل هذا الحدث بداية تقنين العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وربط السلطة بالالتزام التعاقدي. ومن هذا السياق تطوّر البرلمان الإنجليزي، حيث انعقد أول برلمان بصيغته الموسّعة سنة 1295م في عهد إدوارد الأول، جامعًا ممثلي النبلاء ورجال الدين وممثلين عن البلدات والمقاطعات (المواطنين الأحرار). في فرنسا، اتخذ المسار البرلماني طابعًا مختلفًا. فقد تأسست مجالس الطبقات الثلاث سنة 1302 في عهد فيليب الرابع، وضمت النبلاء ورجال الدين والعامة.

إقرأ المزيد:  سراقة بن مالك: من مطاردة الوحي إلى ارتداء رمزه

في العصر الحديث، اكتسب البرلمان بعدًا فلسفيًا جديدًا مع صعود الفكر التعاقدي، حيث يرى جون لوك في كتابه “مقالتان في الحكم المدني” أن السلطة السياسية تستمد مشروعيتها من رضا المحكومين، إذ يقول: “حيثما تنتهي السلطة التعسفية، تبدأ الحرية”. يضع هذا القول البرلمان في موقع الضامن للحرية، عبر تمثيل الإرادة العامة وضبط السلطة التنفيذية. وتعمّق هذا التصور مع مونتسكيو في كتابه “روح القوانين” حينما ربط الحرية السياسية بفصل السلطات الثالث “التشريعية” و”التنفيذية” و”القضائية”، معتبرًا أن “كل من يملك السلطة ميّال إلى إساءة استعمالها”.

بلغت الفكرة البرلمانية ذروتها الرمزية مع الثورتين الأمريكية سنة 1776م والفرنسية سنة 1789م، حيث ارتبط البرلمان بمبدأ السيادة الشعبية. وقد أعلن إعلان حقوق الإنسان والمواطن أن «القانون هو تعبير عن الإرادة العامة»، وهو مبدأ أعاد جان جاك روسو صياغته فلسفيًا في العقد الاجتماعي، حيث كتب: «السيادة لا تُمثَّل، لأنها الإرادة العامة نفسها». ورغم التوتر بين هذا القول والنظام التمثيلي، فإنه أسّس لفكرة البرلمان بوصفه أداة تقريب بين الشعب والقرار.

مع القرن التاسع عشر، تزامن توسّع البرلمانات مع صعود الدولة القومية والليبرالية السياسية. فقد شهدت أوروبا موجات من الإصلاحات الدستورية، مثل قانون الإصلاح البريطاني سنة 1832، الذي وسّع قاعدة الناخبين، ودستور 1848 في فرنسا، الذي رسّخ مبدأ الاقتراع العام للذكور. في هذا السياق، رأى ألكسيس دو توكفيل في كتابه “الديمقراطية في أمريكا” أن “المجالس المنتخبة تدرّب الشعوب على الحرية عبر الممارسة اليومية للنقاش والمسؤولية”.

أما في الولايات المتحدة، فقد تأسس الكونغرس مع دستور 1787 باعتباره حجر الزاوية في النظام السياسي الجديد، حيث اعتمد الآباء المؤسسون مبدأ الفصل بين السلطات، وجعلوا البرلمان ضامنًا للتوازن ومنع الاستبداد. وقد كتب جيمس ماديسون في “الأوراق الفيدرالية” سنة 1788: “تراكم السلطة في يد واحدة هو التعريف الحقيقي للطغيان”. من خلال هذا التصور، فالبرلمان ليس هيئة تشريعية فحسب، بقدر ما هو آلية وقائية ضد انحراف السلطة. في القرن العشرين، اتسعت التجربة البرلمانية عالميًا مع تفكك الإمبراطوريات الاستعمارية وظهور دول مستقلة تبنّت الدساتير والبرلمانات. لكن هذا الانتشار الكمي لم يكن دائمًا مصحوبًا بترسخ ثقافة التمثيل والمساءلة. فقد نبّه ماكس فيبر في محاضرته “السياسة بوصفها حرفة” سنة 1919 إلى خطر تحوّل المؤسسات التمثيلية إلى أدوات شكلية، إذ يقول: “المشكلة ليست في وجود المؤسسات، بل في نوعية الأخلاق التي تحكم ممارستها”.

غير أن تاريخ التشاور السياسي لا يقتصر على التجربة الأوروبية. ففي السياق الإسلامي، قدّمت تجربة صدر الإسلام تصورًا مبكرًا لمبدأ المشاركة في الحكم عبر “الشورى”، بوصفها قاعدة أخلاقية وسياسية لتنظيم العلاقة بين السلطة والجماعة. فقد تشكّلت الجماعة الإسلامية في المدينة المنوّرة سنة 622م على أساس التفاعل بين القيادة والرأي الجماعي، حيث ارتبط اتخاذ القرار بالتشاور في القضايا العامة. وقد ورد في القرآن الكريم: “وشاورهم في الأمر”، و “وأمرهم شورى بينهم”، وهما نصّان يؤسسان لمفهوم سياسي يربط الحكم بالمداولة والتشاور.

إقرأ المزيد:  العقل السياسي العربي عند محمد عابد الجابري: تفكيك البنية التاريخية ومساءلة منطق السلطة

تكشف السيرة النبوية عن ممارسة فعلية لهذا المبدأ، كما في مشاورة المسلمين قبل غزوة بدر سنة 624م، وغزوة أحد سنة 625م، حيث أُخذ برأي الأغلبية رغم مخالفته لتقدير القيادة. يمنح هذا المعطى الشورى طابعًا عمليًا، يتجاوز الوعظ نحو الفعل السياسي. وقد أدرك ابن خلدون هذا البعد حين كتب في “المقدمة”: “السياسة الشرعية تحمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم”. وتشير هذه العبارة إلى تصور للحكم يقوم على المصلحة الجماعية، لا على هوى الفرد.

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سنة 632م، برزت الشورى في اختيار القيادة، كما في سقيفة بني ساعدة، حيث دار نقاش سياسي حول الخلافة. وقد عبّر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الأولى عن مبدأ المحاسبة بقوله: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”. يمثّل هذا القول إعلانًا مبكرًا لربط الشرعية بالالتزام والمسؤولية. أما في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تطوّر هذا المبدأ مع تشكيل مجلس الشورى سنة 644م لاختيار الخليفة، في خطوة تعكس وعيًا سياسيًا بأهمية تنظيم انتقال السلطة جماعيًا. وقد رأى علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” أن الحكم في الإسلام “تجربة بشرية تاريخية، خاضعة للاجتهاد والتغيير”، وهو طرح يفتح الشورى على أفق تطوري، بعيدًا عن الجمود المؤسسي.

من وجهة نظر فلسفي، لا تتطابق الشورى مع البرلمان الحديث من حيث الآليات والتمثيل العددي، غير أنها تشترك معه في جوهر تقييد السلطة بالرأي الجماعي. وقد أشار محمد عابد الجابري في كتابه “العقل السياسي العربي” إلى أن الشورى شكّلت مبدأ معياريًا لضبط الحكم، دون أن تتحوّل إلى مؤسسة مستقلة، وهو ما يفسّر هشاشتها التاريخية أمام منطق العصبية والقوة. يكشف تاريخ البرلمان، في مساره الطويل، عن كونه نتاج صراع اجتماعي وفكري ممتد، لا منحة من السلطة. إنه تعبير عن انتقال السياسة من مجال الأمر والطاعة إلى مجال النقاش والشرعية. ويدل هذا التاريخ على أن البرلمان لا يكتسب معناه من شكله القانوني فقط، وإنما من قدرته على تمثيل المجتمع، ومراقبة السلطة، وتحويل الاختلاف إلى قوة تنظيمية. ومن دون هذا البعد الفلسفي، يفقد البرلمان روحه، ويتحوّل إلى واجهة صامتة داخل نظام يتحدث باسم التمثيل دون أن يصغي إلى أصحابه.

في الأخير، يبيّن هذا المسار أن البرلمان، في صورته الحديثة، نتيجة تفاعل طويل بين الفكر والتاريخ، بين الأخلاق والسياسة، وبين الحاجة إلى النظام والخوف من الاستبداد. كما يكشف أن سؤال المشاركة في القرار سؤال إنساني كوني، صاغته حضارات مختلفة بلغات متعدّدة. ومن هكذا، يغدو تاريخ البرلمان سجلًا لصراع الإنسان من أجل أن يكون شريكًا في تقرير مصيره، لا موضوعًا خاضعًا لإرادة سلطة معزولة.