الحقائق البديلة في زمن ما بعد الحقيقة: تفكّك المعنى وصعود السلطة الخطابية الشعبوية

“إنّ أخطر ما يهدّد الحقيقة لا يكمن في الكذب الفردي، وإنما في تحويل الكذب إلى نظام شامل لإدراك الواقع.”

حنّة آرندت، الحقيقة والسياسة

كيف يتشكّل الواقع الذي تتعدّد فيه الروايات والسرديات إلى حدّ التنازع؟ وبأي معنى يمكن الحديث عن حقيقة مشتركة في فضاء تتناسل فيه التأويلات، وتتنافس فيه السرديات، وتُقاس فيه الوقائع بمدى قابليتها للتداول؟ ثم ما الذي يحدث للعقل العمومي عندما تتحوّل الحقيقة إلى خيار، والمعرفة إلى رأي، والدليل إلى أداة إقناع؟ يشير مفهوم “ما بعد الحقيقة” إلى تحوّل عميق في بنية الوعي السياسي والثقافي، حيث تفقد الوقائع “الحقائق” مكانتها المركزية في تشكيل الرأي العام، ويتقدّم الانفعال، والهوية، والانتماء…، على البرهان والتحقّق. في هذا السياق، تظهر “الحقائق البديلة” كصيغ خطابية لا تنكر الواقع بصورة مباشرة، غير أنّها تعيد تأطيره داخل سرديات مغلقة، تمنح المتلقّي شعورًا باليقين والطمأنينة، حتى وإن تعارضت مع المعطيات المتحقّقة. هذا التحوّل لا يرتبط بالتضليل فحسب، بل يمسّ شروط إنتاج المعنى داخل المجتمعات المعاصرة.

تنبّه الفلسفة منذ وقت مبكّر إلى هشاشة الحقيقة حينما تنفصل عن شروطها الأخلاقية والسياسية. فقد كتب فريدريك نيتشه في نصّه عن “الحقيقة والكذب بمعنى غير أخلاقي” أنّ الحقائق “أوهام نسينا أنّها كذلك”، في إشارة إلى الطابع الإنشائي للمعرفة الإنسانية. غير أنّ هذا القول، الذي أراد مساءلة ادّعاء الموضوعية المطلقة، تحوّل في زمن ما بعد الحقيقة إلى ذريعة لتسوية كلّ الخطابات، ووضع العلم والرأي داخل مستوى واحد، حيث تختفي معايير التمييز. كما يتّخذ هذا الوضع بعدًا سياسيًا خطيرًا عندما تُستعمل “الحقائق البديلة” لتبرير السلطة، أو لحماية سردية مهيمنة من التفكّك. وقد حلّلت حنّة آرندت هذه المسألة في مقالها “الحقيقة والسياسة”، حيث رأت أنّ أخطر أشكال الكذب السياسي يتمثّل في تدمير الإطار المشترك الذي يجعل التواصل ممكنًا. وفي هذا الصدد كتبت: “حين يُدمَّر الفارق بين الحقيقة والخيال، يفقد الإنسان قدرته على الحكم”. هذا التدمير لا يحتاج إلى قمع مباشر، إذ يكفي إغراق الفضاء العمومي بسيل من الروايات المتناقضة حتى يعجز الفرد عن التمييز.

إقرأ المزيد:  الإيديولوجيا العربية المعاصرة.. قراءة في فكر عبد الله العروي

تلعب التقنيات الرقمية الحديثة “وسائل التواصل الاجتماعي” دورًا حاسمًا في هذا التحوّل. حيث أن الفضاء العمومي، الذي ربطه يورغن هابرماس في التحوّل البنيوي للمجال العمومي بالنقاش العقلاني، تحوّل إلى شبكة من الفقاعات التواصلية، حيث تُعاد إنتاج القناعات داخل دوائر مغلقة. فالخوارزميات تعزّز المحتوى الذي ينسجم مع ميول المستخدم “الجمهور”، وتقصي ما يزعزعها، فينشأ واقع موازٍ لكلّ جماعة، محكوم بمنطق التكرار والتأكيد الذاتي. ضمن هذا السياق، تصبح “الحقائق البديلة” أدوات للصراع الرمزي. لأن الحقيقة لم تعد ما يُثبت بالدليل، وإنما ما ينجح في التعبئة. وقد أشار ميشيل فوكو في محاضراته حول “إرادة المعرفة” إلى أنّ كلّ مجتمع ينتج “نظام حقيقة” خاصًا به، يحدّد ما يُقبل وما يُقصى. لكن الفرق الجوهري في الزمن الراهن يكمن في تسارع إنتاج هذه الأنظمة، وتفكّك أي مركز قادر على التحكيم بينها.

يتجلّى هذا التفكّك بوضوح في الخطاب السياسي الشعبوي، حيث تُستعمل “الحقائق البديلة” لإعادة رسم الواقع وفق ثنائية أخلاقية حادّة ومتصارعة. حيث أن الوقائع المخالفة تُوصم بالانحياز، والمؤسسات المعرفية تُتَّهم بالتواطؤ، ويُعاد تعريف الخبرة بوصفها امتيازًا نخبويًا. هذا ما دفع الفيلسوف الفرنسي جان بودريار إلى الحديث عن “فرط الواقع” في كتابه “التصور والمحاكاة”، حيث تختفي الحدود بين الأصل والنسخة، ويصير التمثيل أكثر حضورًا من الواقع ذاته. غير أنّ أزمة ما بعد الحقيقة لا تختزل في الإعلام والسياسة فقط، بقدر ما تمسّ البنية المعرفية للتجربة الإنسانية. فحين تتساوى الآراء، يفقد الالتزام بالحقيقة قيمته الأخلاقية. وقد شدّد الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز في “مسألة الذنب” على أنّ الحقيقة شرط للمسؤولية، وأنّ الهروب منها يفضي إلى تآكل الضمير الجمعي. وبالتالي، فالدفاع عن الحقيقة يتجاوز مسألة معرفية، ويمسّ جوهر العيش المشترك.

إقرأ المزيد:  يوسف بن تاشفين: حينما يتحوّل التاريخ إلى امتحان فلسفي للسلطة والواجب الأخلاقي

رغم قتامة هذا المشهد، لا يعني انتشار “الحقائق البديلة” نهاية إمكان الحقيقة. لأن الفلسفة تذكّر بأنّ الحقيقة لا تُمنح، وإنما تُبنى عبر الحوار، والتحقّق، والاستعداد لتصحيح الخطأ. وقد كتب بول ريكور في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان” أنّ الثقة في السرد التاريخي تقوم على أخلاقيات الشهادة، لا على ادّعاء العصمة. هذا المنظور يفتح أفقًا لإعادة بناء علاقة نقدية مع المعنى، دون السقوط في النسبية المطلقة.

في الأخير، يكشف التفكير الفلسفي في “الحقائق البديلة” عن أزمة ثقة ومعنى أكثر عمقًا من ظاهرة إعلامية. إنّه صراع حول شروط الفهم، وحدود التأويل، ومسؤولية القول. فالحقيقة، حين تُفصل عن الأخلاق، تتحوّل إلى أداة سلطة، وحين تُفصل عن النقد، تتحوّل إلى عقيدة. وبين هذين الانحرافين، تظلّ الفلسفة ممارسة يقظة، تذكّر الإنسان بأنّ العيش داخل عالم مشترك يقتضي شجاعة السؤال، وانضباط الدليل، والاستعداد الدائم لمراجعة ما نعتقد أنّه يقين.