الحقيقة المنسية في عصر ما بعد الحقيقة

“الحقيقة لا تموت، لكنها تُدفن تحت أكوام من الرغبات والمخاوف.”

تأمل لبرهة في هذا الزمن الذي نعيشه، حيث يبدو أن الحقيقة لم تعد ذات قيمة مطلقة، فنحن نعيش في عصرٍ يطلق عليه الفلاسفة والمفكرون “ما بعد الحقيقة”، وهو مرحلة يتم فيها إهمالها أو تشويهها لصالح مشاعرنا، تحيزاتنا، وأهوائنا… هكذا، لم تعد الحقيقة هي معيار الخطاب، أصبحت رهينة لما يخدم مصالح أشخاص وجماعات ضيقة، مهما كان ذلك على حساب الواقع. في عصر “ما بعد الحقيقة”، الحقيقة تعبر عما يمكن أن يقنع الجمهور أكثر مما يعبّر عما حدث بالفعل. لقد أصبح الأمر كما لو أننا جميعاً نعيش داخل لوحة سريالية، حيث تتمازج الحقائق بالخيال، ويصبح السؤال: “هل هذا حقيقي؟” أقل أهمية من: “هل هذا يُثير اهتمامي؟” هذه السخرية الحادة على حساب المنطق والعقلانية، تجعل من عالم ما بعد الحقيقة ساحة حرب مستعرة بين المشاعر والواقع.

الحقيقة عصية على التلاعب الكامل. في قلب الفلسفة الكلاسيكية، كان أفلاطون يعتبر الحقيقة هي الجوهرة التي يسعى إليها الإنسان في كهف مظلم وموحش. لكنها اليوم أصبحت شيئاً يسهل تزييفه في ظل وسائل الإعلام الحديثة، وموجات التواصل الاجتماعي… فالحقيقة لم تعد موضوعاً للبحث العقلاني، بل أمست أداة يُعاد تشكيلها لتلائم رواية محددة، ويقول الفيلسوف السلوفيني جيجك في هذا الصدد: “الحقيقة ليست ما يهم الناس، بل ما يشعرون به تجاهها”. إن أزمة الحقيقة ليست مسألة أخلاقية أو معرفية؛ بل إنها أزمة وجودية. فالإنسان الذي اعتاد الاعتماد على الحقيقة كمرشد في متاهات الحياة، يجد نفسه الآن في بحر من الشكوك، يواجه مدًا هائلاً من المعلومات المضللة، ويطرح على نفسه السؤال المعتاد: كيف يمكن للفرد أن يثق في شيء ما إذا كانت كل حقيقة قابلة للدحض وكل كذبة قابلة للتصديق؟

إقرأ المزيد:  الذاكرة والتاريخ والنسيان والعواطف: الإنسان في مواجهة الزمن

مفهوم “ما بعد الحقيقة” يرتكز على فكرة أن الحقيقة لم تعد حقيقة بالمعنى الموضوعي، أصبحت سردية تُبنى وتُباع وتُشترى… ففي السياسة، على سبيل المثال: لم تعد البيانات والإحصائيات محور النقاش، المشاعر التي تُثار لدى الجمهور كصارخ والعويل…، وكذلك صعود موجات الشعبوية في دولٍ عدة كان قائماً على خطاب يحرّك الغرائز ويتلاعب بالخوف، دون الالتزام بأي أساس واقعي. ولعل المثال الأبرز هو جدلية تغير المناخ، حيث أُهملت الأدلة العلمية الواضحة لصالح سرديات تضليلية تخدم مصالح اقتصادية. إنكار الحقيقة هنا ليس جهلاً بريئاً، استراتيجية تُوظف لتجنب مواجهة الحقائق المزعجة.

عالم “ما بعد الحقيقة” مكان تُضيع فيه الحقائق، مكان تُخلق فيه بدائل للحقيقة، تُشبع رغباتنا وتحيزاتنا. وفقاً لنظريات علم النفس المعرفي، كـ”التنافر المعرفي” و”التحيز التأكيدي”، فإن الإنسان يميل لتبني المعلومات التي تتماشى مع معتقداته المسبقة، ويرفض ما يتعارض معها. وهكذا، تصبح “ما بعد الحقيقة” نتيجة حتمية لتحيزاتنا النفسية وافتقارنا إلى التفكير النقدي.. إنه عالم يبدو فيه أن كل شخص يملك “حقيقته الخاصة”، لكن هل يمكن أن تزدهر المجتمعات إذا استندت إلى أوهام مختلفة؟ كيف يمكن للبشر أن يتعايشوا إذا كانوا ينظرون إلى الواقع من عدسات مشوهة؟

لعل السؤال الذي يواجهنا الآن هو: كيف يمكننا استعادة الحقيقة في زمنٍ تبدو فيه مستباحة؟ لا يكمن الحل في العودة إلى يقينيات مطلقة قديمة، في التواضع الفلسفي الذي يعترف بأن الحقيقة دائماً سهلة المنال، لكنها تظل ضرورية. فبالتعليم الذي يركز على التفكير النقدي، والمساءلة العامة للمعلومات والحقائق، يمكننا بناء أدوات لمقاومة هذا المدّ المظلم.. ودعا الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى بناء “فضاء عام عقلاني” حيث يمكن للأفراد أن يتبادلوا الأفكار بحرية وشفافية، دون تحيزات إيديولوجية أو تلاعب معرفي.. لكن تحقيق هذا الفضاء يتطلب وعياً مجتمعياً عميقاً بقيمة الحقيقة ودورها في الحفاظ على الإنسانية والوطن.

إقرأ المزيد:  التحليل النفسي والتاريخ: الزمن باعتباره أثرًا نفسيًا وذاكرةً جماعية

في الأخير، “ما بعد الحقيقة” ليس مصطلحاً، هو مرآة للعصر الذي نعيشه، حيث نواجه السؤال الأهم والأعظم: هل نبحث عن الحقيقة لأنها حقيقة، أم لأننا نريد تأكيد معتقداتنا؟ الإجابة على هذا السؤال فلسفية وعملية في الوقت نفسه، هي مسألة بقاء حضارتنا نفسها.. وكما قال جورج أورويل: “في عصر الخداع، يصبح قول الحقيقة عملاً ثورياً”. ففي هذا العالم الغارق في الضباب، ربما تكون الحقيقة هي الضوء الوحيد الذي يمكنه أن يرشدنا إلى طريق الوعي والحرية.