“تكمن أزمة عصرنا في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية كثيرة.”
أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن.
كيف يمكن فهم هذا التراكم المتزامن للحروب والصراعات باعتباره حوادث منفصلة، أم أنه يعكس تحوّلًا بنيويًا في بنية النظام الدولي ذاته؟ إلى أي حد ما يزال النظام العالمي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة -بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991- قادرًا على تنظيم العلاقات بين الدول وضبط منطق العنف، في ظل عودة القوة العسكرية والاقتصادية معيارًا حاسمًا للشرعية؟ هل تمثل الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، والانهيار السوداني، والانقلابات في غرب إفريقيا أعراض أزمة عابرة في النظام الدولي، أم علامات ولادة تاريخية لنمط جديد من الهيمنة وتوزيع القوة؟ من يملك سلطة تعريف العدو، وتحديد معنى الأمن، ورسم حدود السيادة في عالم تتراجع فيه المرجعيات القانونية أمام منطق الاستثناء والصراع الدائم؟ وكيف يعاد إنتاج العلاقات الإمبريالية القديمة في صيغ جديدة عبر العقوبات الاقتصادية، والحروب بالوكالة، والصراعات التكنولوجية، في ظل خطاب معلن عن التعددية القطبية؟ وهل يمكن الحديث عن نظام عالمي جديد يحمل إمكانية عدالة كونية أكثر توازنًا، أم أننا أمام إعادة توزيع للقوة داخل البنية ذاتها، مع تبدّل الفاعلين دون مساس جوهري بمنطق السيطرة؟
في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يشهد العالم تحوّلات بنيوية عميقة تعيد تشكيل منطق النظام الدولي، وتدفع باتجاه ولادة ما يمكن تسميته بـ«النظام العالمي الجديد». هذا التحوّل لا يتم عبر قطيعة فجائية مع الماضي، وإنما عبر سلسلة من الأزمات المتزامنة التي تكشف هشاشة البنى التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالحروب الإقليمية، وصعود الصراعات الجيوسياسية، وتفكك منظومات الهيمنة التقليدية، جميعها مؤشرات على انتقال تاريخي يعيد تعريف مفاهيم السيادة، والقوة، والشرعية، والفاعلين في العلاقات الدولية.
إن الحرب في أوكرانيا تمثّل لحظة مفصلية في هذا المسار. فهي أعادت الاعتبار لمنطق القوة الصلبة بعد عقود من الخطاب الليبرالي حول «نهاية التاريخ» الذي صاغه المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما. لقد كشفت هذه الحرب عن حدود النظام الأمني الأوروبي الذي تأسس بعد 1945، وعن فشل الترتيبات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي في دمج روسيا داخل نظام دولي مستقر. يقول جون ميرشايمر أن «النظام الدولي محكوم بتنافس القوى الكبرى، مهما تعددت الخطابات الأخلاقية التي تحيط به» (Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics). في هذا السياق، تظهر أوكرانيا كساحة صراع على إعادة ترسيم موازين القوة بين الغرب وروسيا، وعلى تعريف من يملك حق فرض قواعد الأمن الدولي.
في الشرق الأوسط، تندرج الحرب في غزة ضمن سياق أوسع يتجاوز الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي التقليدي. لأنها تكشف أزمة النظام الإقليمي العربي، وتفكك مفهوم الدولة الوطنية، وانهيار منظومة الردع التقليدية. كما تكشف حدود الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان، حين يتحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية تخضع لموازين القوة. يذكّرنا والتر بنيامين بأن «حالة الطوارئ التي نعيشها ليست الاستثناء بل القاعدة» (Theses on the Philosophy of History). هذا القول يكتسب دلالة خاصة في سياق غزة، حيث يتحول الاستثناء إلى نمط دائم للحكم والسيطرة.
علاوة على ذلك، فالحرب في السودان تعكس بعدًا آخر من التحوّل العالمي، يتمثل في تراجع الدولة ما بعد الاستعمار أمام صعود اقتصاد الحرب والميليشيات والهويات المسلحة. فالصراع هناك لا يمكن فهمه خارج تاريخ طويل من إعادة إنتاج العنف البنيوي، وتدويل الأزمات المحلية، وربطها بمصالح إقليمية ودولية. يشير تشارلز تيلي إلى أن «الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب» (Coercion, Capital, and European States)، غير أن الحالة السودانية تكشف عن مسار معاكس، حيث تفكك الحرب ما تبقى من الدولة.
أما الاعتراف الإسرائيلي بدولة أرض الصومال، فيكشف تحولات عميقة في مفهوم الشرعية الدولية. لأن الدولة في هذا الإطار لم تعد نتاج توافق قانوني دولي فحسب، وإنما نتيجة شبكة من الاعترافات المتبادلة والمصالح الأمنية والاقتصادية المتشابكة. هذا التحول يعيد طرح سؤال: من يمنح الشرعية؟ المجتمع الدولي أم ميزان القوة؟ هنا تتجلى أطروحة كارل شميت حول أن «السيادة تُعرَّف بالقدرة على اتخاذ القرار في لحظة الاستثناء» (Political Theology).
على المستوى العالمي، تتخذ الحرب الباردة الجديدة بين الصين والولايات المتحدة شكل صراع شامل، يتجاوز المجال العسكري إلى التكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والذكاء الاصطناعي، والمعرفة. فالصراع هنا يدور حول من يحدد معايير المستقبل. في هذا الصدد تقول حنة آرنت أن «القوة لا تُختزل في العنف، وإنما في القدرة على الفعل المشترك» (On Violence). وفي هذا الإطار، تسعى الصين إلى بناء نموذج قوة بديل يقوم على الاقتصاد والبنية التحتية والمعرفة، في مواجهة نموذج أمريكي يعاني من إرهاق استراتيجي بفعل تدخلاته العسكرية الخارجية المتعددة في أفغانستان، العراق، سوريا، وفينزويلا….
في جنوب اليمن، يتجلى الصراع بين السعودية والإمارات بوصفه تعبيرًا عن تحولات داخل النظام الإقليمي الخليجي نفسه. فالحرب هناك تعكس تنافسًا على النفوذ، وعلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للممرات البحرية والموارد. حيث أن الدولة اليمنية لم تعد هي الفاعل المركزي، وإنما تحولت الأرض إلى فضاء مفتوح لتقاطع المشاريع الإقليمية. هذا الوضع يعكس ما وصفه زيغمونت باومان بـ«السيولة السياسية»، حيث تتفكك الحدود بين الداخل والخارج، وبين الحرب والسلم.
بالإضافة إلى ذلك، فالصراع الإيراني–الإسرائيلي، سواء في شكله المباشر أو عبر الحروب بالوكالة، يكشف منطق «الحرب الرمادية» التي تميّز النظام العالمي الجديد. حيث أن الحرب لم تعد إعلانًا رسميًا، وإنما سلسلة من الضربات المحسوبة، والهجمات السيبرانية، والاغتيالات، وإدارة التوتر دون الوصول إلى مواجهة شاملة. يصف ريمون آرون هذا النمط بقوله: «السلام المستحيل، والحرب غير المحتملة» (Peace and War).
أما في غرب إفريقيا، تعبّر الانقلابات العسكرية عن أزمة النموذج الديمقراطي الليبرالي حين يُفرض خارج سياقه الاجتماعي والتاريخي. فهي تعكس رفضًا شعبيًا للنخب المرتبطة بالنظام العالمي القديم، وللنفوذ الفرنسي والغربي. يكتب فرانز فانون في هذا الصدد أن «الاستقلال الشكلي لا يحرر الشعوب من البنى العميقة للهيمنة» (The Wretched of the Earth). وبالتالي، فالانقلابات في إفريقيا ليست عودة إلى الماضي فقط، وإنما بحث مضطرب عن سيادة بديلة.
أما الحصار الأمريكي على فنزويلا، فيكشف استمرار أدوات الهيمنة الاقتصادية في النظام العالمي، رغم الخطاب حول التعددية القطبية. فالعقوبات الاقتصادية تحولت إلى سلاح استراتيجي يعيد إنتاج الفقر والاختناق الاجتماعي، ويُظهر كيف تُدار القوة في عالم معولم. يذكّرنا ميشيل فوكو بأن «السلطة تُمارس عبر إدارة الحياة والموت» (Society Must Be Defended).
في ضوء هذا التحليل المركّب لمسار التحولات الجارية، يمكن استخلاص جملة من الدروس التاريخية والفلسفية التي تساعد على فهم طبيعة اللحظة الراهنة، وتمكّن من استشراف مآلات النظام العالمي في الأمدين المتوسط والبعيد.
أول الدروس يتمثل في عودة التاريخ باعتباره مجالًا مفتوحًا للصراع، بعد عقود من الوهم الذي روّج لفكرة الاستقرار النهائي للنظام الليبرالي العالمي. فقد تبيّن أن منطق القوة لم يُستبدل بقواعد القانون الدولي، وإنما أُعيد تغليفه بخطابات أخلاقية سرعان ما تتلاشى عند أول اختبار حقيقي. يصدق هنا قول ريمون آرون: «التاريخ لم يتوقف، وإنما غيّر إيقاعه وأدواته» (Introduction à la philosophie de l’histoire). هذا الدرس يعيد الاعتبار للتحليل التاريخي بوصفه أداة لفهم السياسة، لا بوصفه سردًا للماضي فقط.
الدرس الثاني يكمن في هشاشة الدولة الوطنية خارج مراكز القوة الكبرى. فالحروب في السودان واليمن، والانقلابات في غرب إفريقيا، تكشف أن الدولة التي لم تنجح في بناء عقد اجتماعي متماسك، ولا في امتلاك سيادة اقتصادية ومعرفية، تصبح ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية. يكتب ماكس فيبر أن الدولة تقوم على «احتكار العنف المشروع» (Economy and Society)، غير أن هذا الاحتكار يتآكل حين تفقد الدولة قدرتها على إنتاج الشرعية والعدالة، فتتحول القوة إلى مورد متنازع عليه بين فاعلين متعددي المستويات.
الدرس الثالث يرتبط بانهيار الخطاب الكوني للأخلاق السياسية. فالتعامل الدولي مع الحرب في غزة، ومع العقوبات المفروضة على فنزويلا، ومع ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، يكشف أن القيم الكونية تُستدعى انتقائيًا وفق موازين القوة. هذا الواقع يؤكد أطروحة كارل شميت حول تسييس الأخلاق، حين تتحول المفاهيم الأخلاقية إلى أدوات في صراع السيادة (The Concept of the Political). الدرس هنا أن الأخلاق الدولية، في غياب قوة ضامنة لها، تظل رهينة التوازنات السياسية.
الدرس الرابع يتمثل في تحوّل طبيعة الصراع نفسه. حيث أن الحرب لم تعد مواجهة عسكرية مباشرة فقط، وإنما شبكة معقّدة من العقوبات الاقتصادية، والحروب السيبرانية، والمعارك الإعلامية، والتحكم في المعرفة والتكنولوجيا. وخير دليل على ذلك، الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة التي تقدم نموذجًا لهذا التحول، حيث تصبح السيطرة على سلاسل الإمداد والمعايير التقنية جزءًا من ميدان القتال. يعبّر ميشيل فوكو عن هذا التحول بقوله إن السلطة الحديثة تُمارس عبر «إدارة الحياة وتوجيهها» (Security, Territory, Population).
أما استشراف المستقبل، فيشير إلى عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة. لأن صعود قوى جديدة لا يعني نهاية الهيمنة، وإنما إعادة توزيعها ضمن شبكة أكثر تعقيدًا من المصالح والتحالفات. من المرجّح أن يستمر تراجع قدرة المؤسسات الدولية على ضبط النزاعات، مع صعود ترتيبات إقليمية مؤقتة تحكمها منطق البراغماتية الأمنية والاقتصادية.
كما يُنتظر أن تتعمق الفجوة بين المركز والهامش على المستوى العالمي. حيث أن الدول القادرة على التحكم في التكنولوجيا والمعرفة والطاقة ستفرض شروطها، بينما تتحول مناطق واسعة من الجنوب العالمي إلى فضاءات لإدارة الأزمات، لا لتصميم المستقبل. هذا المسار يذكّر بتحذير إيمانويل والرشتاين من أن النظام العالمي الرأسمالي، في لحظات أزمته، «يعيد إنتاج اللامساواة بأشكال أكثر عنفًا» (World-Systems Analysis).
مع ذلك، لا يخلو الأفق من إمكانات بديلة. فالأزمات المتراكمة تفتح المجال أمام صعود سرديات مضادة، وحركات اجتماعية، ونماذج تفكير جديدة تعيد طرح سؤال العدالة والسيادة من منظور عالمي مختلف. غير أن تحقق هذه الإمكانات يظل مشروطًا بقدرة الفاعلين في الهامش على إنتاج المعرفة، وبناء تحالفات تتجاوز منطق التبعية، وصياغة مشاريع سياسية وثقافية طويلة النفس.
إن المستقبل، في هذا السياق، لا يُقرأ بوصفه قدرًا محتومًا، وإنما بوصفه مجالًا للصراع على المعنى والسردية. فالنظام العالمي الجديد لم يكتمل بعد، وتشكّله يجري تحت ضغط العنف والأزمات. والسؤال الفلسفي الحاسم الذي يظل مطروحًا يتمثل في ما إذا كانت الإنسانية قادرة على تحويل هذا التحوّل التاريخي إلى فرصة لإعادة التفكير في أسس العيش المشترك، أم أنها ستعيد إنتاج الدائرة ذاتها من الهيمنة والصراع، مع فاعلين جدد وأدوات أكثر تعقيدًا.
في الأخير، تشير مجمل هذه الوقائع إلى أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها مركزية الغرب، وتتعدد فيها مراكز القوة، ويتآكل فيها القانون الدولي بوصفه مرجعية جامعة. إذاً، نحن أمام نظام عالمي يتشكل عبر الأزمات، لا عبر التوافقات، وتُرسم حدوده بالنار والاقتصاد والتكنولوجيا. هذا النظام لا يحمل وعدًا بالاستقرار، وإنما يضع الإنسانية أمام سؤال أخلاقي وفلسفي عميق: كيف يمكن التفكير في العدالة، والسيادة، والكرامة الإنسانية، في عالم تحكمه منطق القوة وتوازنات المصالح؟ سؤال سيظل مفتوحًا ما دامت ولادة النظام العالمي الجديد تتم في رحم العنف والتصدع، لا في فضاء العقل والتوافق.
****
لتحميل التحليل الأول لمدونة الهامش أنقر على الرابط التالي: تنزيل المقال








