“هل يمكن تحقيق حداثة بدون سلاح العقل والعقلانية؟ هل يمكن تحقيق نهضة بدون عقل ناهض؟”
محمد عابد الجابري، في نقد الحاجة إلى الإصلاح.
ما معنى النهضة في الفكر العربي المعاصر؟ وهل يمكن تحقيق تجديد حضاري دون نقد العقل العربي القديم وقراءة التراث بعين ناقدة ومنهجية؟ وما هو دور العقلانية في هذا المسعى، وهل تكفي العقلانية الايبيستيمولوجية وحدها لإحداث تحول شامل في المجتمعات العربية؟ هذه الأسئلة تمثل قلب المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري، الذي جعل من النهضة العربية قضية منهجية ومعرفية في الوقت ذاته.
يرى الجابري أن النهضة لا يمكن اعتبارها: انتقال من تقليد إلى تحديث، ولا نسخ للأنظمة الغربية، بقدر ما هي عملية نقدية تدمج بين العقلانية المنهجية (الايبيستيمولوجية) والانخراط العملي في الواقع العربي، أي ما يسميه “العقلانية النهضوية”. يقول الجابري: “لا سبيل إلى التجديد والتحديث ونحن هنا لا نتحدث عن العقل العربي إلا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وإمكاناته الذاتية.” هذه المقاربة تجعل التراث مصدراً للإبداع لا سجوناً للإحباط، وتجعل العقل أداة لفهم التاريخ والمجتمع وتحويل المعرفة إلى قوة فاعلة في النهضة.
إن العقلانية النهضوية عند الجابري تتجلى في القدرة على التمييز بين المعرفة الإبستيمولوجية والوظائف الإيديولوجية للنصوص التراثية. لأن التراث العربي الإسلامي يحمل في طياته معارف عقلية ومنطقية، لكنه في الوقت نفسه مؤطر ضمن وظائف اجتماعية وسياسية وإيديولوجية معينة. ويذهب الجابري إلى أن مهمة العقلانية النهضوية ليست محو هذه الإيديولوجيات، وإنما بالوعي بها وتوظيفها بطريقة نقدية لخدمة التحولات المعاصرة. فالنهضة، وفق هذه الرؤية، هي عملية تفاعل مستمر بين ما يمتلكه المجتمع من تراث معرفي وبين ما يفرضه الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الراهن، مع التركيز على استقلالية الفعل التاريخي للذات العربية.
ويرى الجابري أن النهضة تتطلب تطوير العقل العربي من حالة “العقل السائد” إلى “العقل الفاعل”، بحيث يصبح قادرًا على صياغة مبادئ ومعايير جديدة تحل محل القديمة، وتستجيب لمتطلبات العصر الحديث. وفي هذا السياق، يقول الجابري: “لقد انطلقت كل منهما من الانتظام في التراث… لتتكئ عليه في عملية التجاوز النهضوي، تجاوز الماضي والحاضر عن طريق امتلاكهما.”، هذه العقلانية النهضوية تتسم بالمرونة، وتؤكد على الاستقلالية الفكرية والقدرة على النقد الذاتي، مع الأخذ بالاعتبار المحددات التاريخية والثقافية والاجتماعية.
كما يشدد الجابري على أن النهضة العربية لا تتحقق إلا إذا تم توظيف المعرفة بشكل واعٍ ضمن مسار سياسي واجتماعي يراعي الديمقراطية والعدالة والتنمية المستقلة. وهكذا، تصبح العقلانية النهضوية مشروع سياسي حضاري يسعى إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بما يتلاءم مع قيم الحداثة والاستقلال التاريخي للأمة. يقول الجابري في هذا الصدد: “إعادة تأسيس الفكر القومي على مبدأي الديمقراطية والعقلانية بدل مبدأ العلمانية وإحلال الإسلام المكانة التي يجب أن يحتلها في النظرية والممارسة.”. ومن هذا المنطلق، تغدو النهضة عند الجابري مشروعًا متعدد الأبعاد، يجمع بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والعمل، بين التراث والحداثة. فهي عملية مستمرة من النقد والتجاوز، تهدف إلى بناء عقل عربي قادر على مواجهة تحديات العصر، وتحويل التراث من سجل للماضي إلى قوة لإعادة تشكيل المستقبل.
إن قراءة الجابري للنهضة تكشف عن بعد فلسفي عميق، إذ تطرح العقلانية كشرط للتجديد، والوعي بالوظائف الإيديولوجية للنصوص التراثية كوسيلة لتحرير الفكر، والممارسة السياسية والاجتماعية كإطار لتحقيق الأهداف النهضوية. لأن النهضة ليست حدثًا لحظيًا، بقدر ما هي مسار طويل يتطلب النقد المستمر، والتفاعل الواعي مع التراث، والقدرة على صياغة مفاهيم جديدة تتجاوب مع الواقع المعاصر للأمة العربية.
في الأخير، يمكن القول إن رؤية الجابري للنهضة العربية تمثل دمجًا بين المعرفة والفعل، بين العقلانية المنهجية والعقلانية التطبيقية، وبين التراث والحداثة، بحيث تصبح النهضة عملية مستمرة من إعادة ترتيب الفكر العربي، وتحرير المجتمع من الجمود، وبناء وعي تاريخي قادر على مواجهة تحديات العصر وإرساء أسس التجديد الحضاري للأمة العربية الإسلامية.








