المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: حين تحوّلت الأخوّة إلى واقعٍ يُعاش

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

القرآن الكريم، سورة النحل، الآية: 90.

كيف استطاع مجتمعٌ ناشئ أن يستوعب موجة هجرةٍ كبيرة في ظرفٍ اقتصادي صعب؟ وكيف تحوّلت الغربة إلى انتماء، والفقر إلى تكافل، والتفاوت القبلي إلى وحدةٍ متماسكة؟ وأيُّ سرٍّ جعل هذه التجربة فريدةً حتى يخطر في البال أنها فوق طاقة البشر؟ إنها قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ الحدث الذي لو لم تثبته النصوص لظُنَّ أنه أقرب إلى المثال منه إلى الواقع، فقد انتقلت بعالم المثال والنظريات إلى أرض الواقع والتطبيق، وقدّم الصحابة في ظلّها الكثير من صور التفاني والتضحية على نحوٍ لم يحدث في تاريخ أمّةٍ من الأمم.

بدأت فصول القصة عندما خرج المهاجرون من مكة تاركين الأهل والأموال، متوجهين إلى المدينة المنورة، فواجهوا واقعًا جديدًا بتحدياته النفسية والاقتصادية والاجتماعية: الغربة، فقدان الممتلكات، تغيّر المناخ، ظهور الحمى…، كلها عوامل صنعت ضغطًا كبيرًا استدعى حلولًا عملية تعيد التوازن للمجتمع الوليد. فكان أوّل عملٍ قام به النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد بناء المسجد تشريع نظام المؤاخاة، وقد أُعلنت في دار أنس بن مالك رضي الله عنه، لتنشأ رابطة تقوم على العقيدة، وتوثّق مشاعر الحب والمودّة، والنصرة والحماية، والمواساة بالمال والمتاع. وق كانت مؤاخاة تتجاوز الإطار المعنوي إلى التزام عملي، حتى إنها أعطت للمتآخييْن الحقّ في التوارث دون أن يكون بينهما صلةٍ من قرابة أو رحم، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾، واستمر هذا الحكم زمنًا حتى استقر المجتمع، ثم نُسخ بقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، مع بقاء معاني النصرة والتكافل.

وتذكر كتب السيرة نماذج من هذه المؤاخاة؛ فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر الصديق وخارجة بن زهير، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، وبين الزبير بن العوام وسلامة بن سلامة بن وقش، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وبين مصعب بن عمير وأبو أيوب الأنصاري، حتى بلغ عدد المتآخين نحو تسعين صحابيًا. وعند مراجعة الأسماء ندرك أن المؤاخاة لم تُقم وزناً للاعتبارات القبلية أو الفوارق الطبقية، فقد جمعت بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، والحر والعبد، لتنتصر الرابطة الإيمانية على العصبية القبلية. ومن أبهى صورها ما جرى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، حيث عرض سعد على أخيه نصف ماله، وذكر له الاستعداد لمشاركته حياته الخاصة، فكان رد عبد الرحمن تقديرًا وثناءً، ثم طلب أن يُدلّ على السوق، فبدأ من الصفر حتى أصبح من اغنياء المدينة. هذه الصورة تجمع بين الكرم والعفة، وبين البذل والعمل.

إقرأ المزيد:  التحليل النفسي والتاريخ: الزمن باعتباره أثرًا نفسيًا وذاكرةً جماعية

كما عرض الأنصار أن تُقسم الأراضي الزراعية بينهم وبين المهاجرين، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم صيغة تحفظ الملكيات مع إشراك المهاجرين في الحصاد، فكان ذلك موقفًا أثار إعجاب المهاجرين حتى قالوا: “يا رسول الله ما رأينا قوما قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير منهم، لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كلّه”. وقد خلّد الله هذا الإيثار بقوله: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. وحفظ النبي صلى الله عليه وسلم فضل الأنصار، فقال: “لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً، لسلكت في وادي الأنصار”، وقال ﷺ: “الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق”، ودعا لهم بقوله ﷺ: “اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار، ولذراري الأنصار”. ومن الدروس المستفادة من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، نجد ما يلي:

  • ترسيخ مبدأ الأخوّة الإيمانية القائمة على العقيدة قبل أي رابطة أخرى.
  • أهمية المبادرة السريعة لحلّ الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بحلول عملية.
  • التكافل الاجتماعي أساس في استقرار المجتمعات ونموّها.
  • الإيثار خُلُق يصنع مجتمعًا متماسكًا، كما وصفه الله في سورة الحشر.
  • تجاوز الفوارق القبلية والطبقية يحقّق وحدة حقيقية بين الناس.
  • التوازن بين العطاء والعمل؛ فالعفة والاجتهاد كما فعل عبد الرحمن بن عوف نموذجٌ يُحتذى.
  • القيادة الحكيمة تصنع التحوّل؛ فقد أدار النبي ﷺ الأزمة برؤية بعيدة المدى.
  • المشاركة الاقتصادية المدروسة تحمي الحقوق وتُشعر الجميع بالكرامة.
  • الامتنان المتبادل يعزّز أواصر المحبة ويعمّق روح الجماعة.
  • بناء المجتمع الناجح يبدأ ببناء الإنسان في داخله قبل تنظيم موارده.

في الأخير، إن المؤاخاة كانت تأسيسًا لمجتمع يقوم على العقيدة قبل النسب، وعلى التكافل قبل المصالح، وعلى الإيثار قبل المنافسة. كما أن هذه التجربةٌ صنعت وحدةً صلبة في زمنٍ قصير، وأثبتت أن القيم حين تتحول إلى سلوك يومي تغيّر وجه التاريخ. فما أحوج المجتمعات الإسلامية المعاصرة إلى استحضار هذا النموذج، حيث تتقدّم الأخوّة الإيمانية لتبني إنسانًا يرى في أخيه شريكًا في الرسالة والمصير. لقد قدّمت المؤاخاة درسًا خالدًا في أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الثقة بين أبنائها، وأن معالجة الأزمات تحتاج إلى روحٍ جماعية تتجاوز حدود الذات إلى رحابة الجماعة. كما أثبتت أن القيادة الواعية حين تغرس المعاني الكبرى في النفوس، فإنها تصنع جيلاً قادرًا على تحويل المحن إلى منح، والفرقة إلى وحدة، والحاجة إلى عطاء. وهكذا تبقى المؤاخاة صفحةً مشرقة في تاريخ الأمة، تُذكّرنا بأن قوة المجتمع الحقيقية تنبع من تماسكه الداخلي، ومن صدق روابطه، ومن استعداده الدائم لأن يقدّم مصلحة الرسالة على مصلحة الفرد، ليظلّ بنيانه راسخًا مهما تعاقبت التحديات.

إقرأ المزيد:  “الغرفة 101” مرآة النفس في عالم الديكتاتورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *