“تغدو الجماعة، عندما تنغلق على تصور واحد لذاتها، قوة تضيق أفق الإنسان، فيفقد القدرة على قراءة العالم بتعدده، ويصبح الانتماء قيدا يكتم حريته.”
هل تستطيع الهوية أن تتحول من مصدر معنى إلى أداة صراع؟ وهل يمكن للانتماء، في فترة تاريخية مأزومة، أن يصبح قيدا يحدّ من خيارات الإنسان، بدل أن يمنحه أفقا أرحب للتفكير والتعايش؟ ثم ما الذي يجعل الجماعات ـ حينما تحس بأن ذاتها مهددة ـ تنتج خطابا يعيد تعريف الماضي وفق الحاجة، وتعيد ترتيب الذاكرة بحيث تتحول إلى حصن مغلق لا يعترف بالتعددية؟ إن سؤال الهوية، حينما يُستدعى بمنطق الخطر الوجودي، يتحول إلى آلية تُنجز ما سماه أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة “الانغلاق القاتل داخل انتماء واحد”، حيث يغدو الفرد أسير رواية أو سردية جمعية تفرض عليه موقعا محددا داخل الصراع. وتكشف الظواهر التاريخية مثل تجربة برغواطة، أو ردود الفعل المعاصرة حول سرديتها، أنّ الجماعات حين تُستثار في عمق تصورها لذاتها، تميل إلى تحويل النقاش العلمي والتاريخي إلى معركة هوية. ولعلّ ما قاله بول ريكور في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان” يضيء ذلك حيث اعتبر أنّ “الذاكرة تصبح خطرا عندما تُستعمل لإثارة الخوف ورسم حدود دامية بين الناس”.
لقد تحوّلت الهوية في كثير من السياقات للأسف! إلى أداة لتأمين الذات من صدمة التحولات، حيث أن كل سردية تاريخية تُقرأ خارج النسق الرسمي أو المهيمن تُستقبل بوصفها تهديدا لبنية الجماعة، لا بوصفها جهدا لفهم التعقيد. وهكذا، يبرز ما أشار إليه ريمون آرون في مقدمة كتابه ” فلسفة التاريخ النقدية: بحث فى النظرية الألمانية للتاريخ”، إذ رأى أنّ “التاريخ يُسيء الناس استعماله أكثر مما يفهمونه”، حيث يصبح الماضي مادة خام لبناء اصطفافات جديدة تُشرعن السلطة الرمزية، وتُؤسس لمجال صراعي يخضع فيه العقل لهيمنة الانفعال. وتتيح تجربة برغواطة، بما لها من تشابكات ثقافية ومذهبية، مثالا دالا على قدرة الهويات على إعادة إنتاج ذاتها تحت الضغط، إذ لم تكن هذه الظاهرة حدثا دينيّا فحسب، بقدر ما كانت استجابة سياسية واجتماعية لسوء العلاقة بين السلطة المركزية والمكوّن المحلي. غير أن استدعاءها اليوم بمنطق إيديولوجي يُعيد إنتاج الماضي كقنبلة هوياتية رمزية، ويحوّل النقاش التاريخي إلى محاكمة إيديولوجيا، في حين أن الفكر التاريخي والفلسفي يطالب بتمييز “الرغبة في الفهم” عن “الرغبة في الإدانة”. وقد عبّر عن هذا الرؤية هانس غيورغ غادامر في كتابه “الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية” حينما اعتبر أنّ “الفهم لا يكتمل دون قدرة على الإصغاء للآخر، حتى لو بدا غريبا”.
غير أنّ التجربة البرغواطية نفسها تحتاج إلى نقد فلسفي علمي وموضوعي، لأنها تكشف كيف يمكن للهوية حينما تُستعمل لتأسيس شرعية دينية مفبركة أن تُنتج انغلاقا معرفيا، وتكريسا لهيمنة قائمة على الخرافة. حيث أن “الديانة البرغواطية” بين الاف الأقواس، التي استندت إلى ادعاء النبوة وصياغة “كتاب” باللغة الأمازيغية، كانت محاولة لخلق سلطة روحية عبر خطاب يُشبه النص القرآني في بنائه، لكنه يفتقر إلى عمق الوحي، ويتكئ على إعادة تركيب قصص الأنبياء بطرائق تُربك المعنى ولا تصنع تجربة روحية أصيلة، والأكثر من ذلك تنتج كتاب يمكن تصنيفه ضمن كتب الكوميديا، فقد أورد البكري مقتطفا من سورة أيوب المقابلة للفاتحة عندهم: “بسم الله الذي أرسل كتابه إلى الناس هو الذي بين لهم به أخباره، قالوا علم إبليس القضية، أبى الله، ليس يطيق إبليس”.
وقد أشار ابن خلدون في تاريخه إلى أنّ صالح بن طريف “نشأ برباط ورحل إلى المشرق، وقرأ على عبد الله المغربي واشتغل بالسحر، وجمع فنونا وقدم المغرب ونزل تامسنا فوجد بها قبائل جهّالا من البربر فأظهر لهم الزهد وسحرهم بلسانه، وموّه عليهم فقصدوه واتّبعوه، فادّعى النبوّة”، وهي شهادة تُبرز الطابع الانفصالي للتجربة، التي أرادت صناعة دين خاص يُبرّر الانشقاق الجماعي ويُحوّل المظلومية السياسية والصراع مع الأمويين إلى شرعية روحية. ويتضح في الممارسات التي نُسبت لبرغواطة مدى الانحراف الذي أنتجته هذه “النحلة” الغريبة، سواء في تشريعات الزواج المفتوحة بلا قيد، أو في فرض صيام لا علاقة لها بالمعنى الروحي للصوم، أو في تأليه الكهانة والعرافة، أو في وضع أحكام جنائية تُغذي العنف باسم “التطهر”. إن هذا الدين لم يُنتج ثقافة روحية تُثري الوجدان، وإنما أنتج سلطة مغلقة تُحاصر الإنسان داخل طقوس ومعتقدات تُسقط العقل وتُقوّض الأخلاق. ولذلك تشكل التجربة البرغواطية مثالا على انحراف الدين حينما يتحول إلى أداة سياسية، وعلى قدرة الجماعات على إضفاء القداسة على أي بناء رمزي يخدم مصالحها الضيقة.
ولعلّ ما قاله ريمون آرون في مقدمة كتابه “فلسفة التاريخ” ينطبق عليها حينما أشار إلى أنّ “التاريخ يُسيء الناس استعماله أكثر مما يفهمونه”، إذ جرى استثمار تجربة برغواطة لإقامة مشروع ديني موازٍ، يُشرعن الانفصال ويُعيد صياغة الهوية عبر منطق الصراع. كما أن الانغلاق الذي ميز هذه العقيدة ينسجم مع ما سماه جورج طرابيشي في كتابه من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث “التقديس التعويضي”، أي وضع قشرة مقدسة على نصوص تُخفي ضعف البنية الفكرية. وتكشف التجربة البرغواطية أن الهويات حين تُصنع بمزيج من الغضب ورد الفعل الميكانيكي والظرف السياسي، تنتج دينا بلا أفق، وتبني سلطة لا تحتمل النقد، فالشعوب التي تبحث عن خلاصها عبر نصوص مختلقة تُغلق على نفسها أبواب التطور، وتستبدل السؤال بالعقيدة، والفهم بالطاعة.
غير أن فخ الهوية القاتلة لا يظهر في التجربة البرغواطية وحدها، وإنما يتجلى أيضا في طريقة توظيفها اليوم، فحينما يتحول البحث التاريخي إلى قاعة محاكمة، ويغدو النقاش العلمي خيانة، تُصبِح الهوية ساحة قتال لا مجالا للنقاش. وهنا يبرز المعنى العميق لما قاله هانس غيورغ غادامر في الحقيقة والمنهج: “الفهم يحتاج إلى إصغاء حتى لما لا ينسجم مع أفق توقعاتنا”. إن التغلب على الهوية القاتلة يقتضي إعادة التاريخ إلى مكانه الصحيح: فضاء للفهم، لا جدارا للمنع…، أما التجارب المنحرفة كبرغواطة، فإن نقدها ضرورة فلسفية وأخلاقية، لأنها تكشف كيف يتحول الدين إلى أداة لتبرير الانفصال، وكيف يستثمر بعض القادة الاضطراب السياسي لإنتاج قداسة مصطنعة.
إن فخ الهوية القاتلة يتحقق حينما تتضخم الحدود الفاصلة بين “نحن” و“هم”، وعندما تتحول الأسئلة العلمية إلى استفتاءات أخلاقية تحدد الولاء والخيانة والأصلي والوافد. ومن شأن هذا الوضع أن يفرغ المجال العمومي من إمكان التفكير الحر، ويُنتج ما سماه جورج طرابيشي في كتابه من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث “التقديس التعويضي”، أي تحويل الهوية إلى عقيدة رد فعل، تُغلّف الخوف باليقين، وتُقدّم الماضي كعقيدة نهائية تمنع إعادة القراءة. وفي عمق هذا الفخ تكمن الخطورة: فالهويات التي تُرفع لحماية الجماعة قد تتحول إلى آلية لخنقها، لأن الخوف من السؤال يمنع القدرة على تطوير الذات، ولأنّ التحصن وراء ذاكرة واحدة يحجب الطابع التعددي للوجود الإنساني. وبهذا يكتسب تأمل بول تيليش في كتابه ” الشجاعة من أجل الوجود” قيمة إضافية حين رأى أن الشجاعة الحقيقية “هي مواجهة القلق دون الاحتماء بالتصنيفات النهائية”. لأن الهويات التي لا تُفتح على النقد تتحول إلى جدران، والجدران لا تلد إلا مزيدا من الانغلاق.
في الأخير، إن الوعي الفلسفي يدعو إلى تحويل الهوية من أداة صراع إلى أفق للتعدد، ومن ساحة انفعال إلى مجال تفكير. حيث أن الذاكرة المشتركة لا تكون قوة إلا حينما تُقرأ في ضوء إنساني يتجاوز ثنائية “نحن” و”هم”، أما حينما تُستعمل لصنع عدو وهمي، فإنها تُعيد إنتاج دورات الصدام التي خبرنها في كتب التاريخ مرارا وتكرارا. وفي هذا السياق يمكن استحضار ما قاله المفكر الكبير محمد عابد الجابري في نحن والتراث: لا يمكن للتراث أن يكون قوة دفع إلا حين نقرأه بوصفه إمكانا لا سجنا. وهكذا، تقتضي مواجهة الهوية القاتلة الاعتراف بأنّ التاريخ مساحة تعدد، وأنّ سرديات الأمم لا تنمو إلا بالحوار، وأنّ السؤال الفلسفي حول الماضي لا يُهدد الهوية، بقدر ما يحميها من التكلس. كما أن الهويات القوية في النهاية، هي تلك التي تستوعب تعددها الداخلي، وتمنح نفسها حق المراجعة، وتبني علاقتها بذاتها عبر الفهم، لا عبر الخوف. وحتى تظل الهوية قوة خَلْق لا قوة قَتْل، ينبغي أن تُفتح على النقد، وأن تتسع للعلم، وأن تُصاغ بصورة تُحرّر الذات من روايات الخوف. لأن الهويات التي تتنفس الأسئلة تعيش، والهويات التي تحتمي بالأساطير تذبل وتموت.








