حين مات سقراط في السوق.. كيف استهلكت الرأسمالية شغفنا بالمعرفة؟

يقول فريدريك نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”:

“لقد وجد في كل زمان كثير من المرضى المستغرقين المتشوهين فهم يكرهون إلى حد الهوس كل من يطلب المعرفة، ويكرهون أبسط الفضائل وهي فضيلة الإخلاص.”

في مقولته الشهيرة، يلمّح فريدريك نيتشه إلى العداء العميق الذي تكنّه “العقول المريضة” لكل محاولة أصيلة للسعي وراء المعرفة، وكيف يُقابل الإخلاص للحقيقة بكراهية، بل بهوس عدائي. هذه المقولة، وإن كُتبت في سياق وجودي ميتافيزيقي، فإنها تجد صداها اليوم بشكل أكثر وضوحًا في النظام الرأسمالي الحديث، الذي لم يكتفِ بتشويه المعنى الوجودي للمعرفة، بل قتل دافعها الجوهري، وجعلها سلعة في سوق التنافس، لا قيمة حرة بحد ذاتها.

كان الإنسان، منذ سقراط وحتى ديكارت، يطلب المعرفة لا لشيء سوى أنها “خيرٌ بحد ذاتها”، فقد كانت غاية لا وسيلة. أما في النظام الرأسمالي الحديث، فقد تم اختزال المعرفة في قيمتها النفعية: كم من المال تدرّ؟ كم من براءة اختراع؟ كم من نقطة في السيرة الذاتية؟ لقد تمّ تحويل المعرفة إلى رأسمال معرفي، يُقاس بالجدوى، ويُوظف في السوق، ويُسعَّر وفق آليات العرض والطلب. وهكذا، حين لم تعد المعرفة مرتبطة بالحكمة أو بالفضيلة أو بالتحرر، بل بالمردودية والتسليع، فقدت جاذبيتها الأصيلة. لم يعد الطفل يسأل بدافع الفضول، بل ليجيب على سؤال في الامتحان. ولم يعد الفيلسوف يُصغي للوجود، بل يُدرَّب على صياغة مقالة تُنشر في مجلة ذات معامل تأثير.

الرأسمالية المعاصرة، خاصة في نسختها الرقمية، عملت على تدمير الزمن البطيء للمعرفة. ففي نظام يحكمه “اقتصاد الانتباه”، أصبحت المعلومة سريعة، مبتورة، سطحية، يتم ابتلاعها في ثوانٍ على شاشات مضيئة، حيث لم تعد هناك رغبة في التأمل، أو طاقة على المعاناة الفكرية، أو صبر على التدرج المعرفي. وبدلًا من تكوين عقول تسأل وتشك، يُكوِّن هذا النظام عقولًا تستهلك، تغرق في فيض من المعلومات دون بنية نقدية، ويصبح الإنسان مثقّفًا “بالعرض لا بالعمق”، و”بالاتساع لا بالتحليل”، مما يؤدي تدريجيًا إلى خفوت حبّ المعرفة كقيمة ذاتية، واستبداله بـ”الإدمان على الاستهلاك المعرفي”، وهو شيء مختلف تمامًا.

إقرأ المزيد:  التعليم كركيزة للنهوض الحضاري في عصر التحولات الكبرى

لا يمكن فهم اغتيال المعرفة دون الحديث عن المدرسة والجامعة. لقد تحوّلت المؤسسات التعليمية، في ظل الرأسمالية النيوليبرالية، إلى أدوات لإنتاج مهارات قابلة للتوظيف، لا شخصيات قادرة على التفكير الحر. تم التخلي عن الفلسفة، التاريخ، الفن، وكل ما لا يُدرّ عائدًا اقتصاديًا مباشرًا. بل إن الطالب، اليوم، يُدفع منذ طفولته لاختيار تخصص يضمن له “وظيفة مستقبلية”، لا بحثًا يشبع فضوله أو يوسّع أفقه. وفي هذا السياق، تصبح المعرفة أداة للاستقرار المادي، لا طريقًا للتساؤل أو للتحرر أو للمعنى. وهنا، ينتصر “المريض المشوه” الذي تحدث عنه نيتشه، ذلك الذي يكره فضيلة الإخلاص للحقيقة، ويستبدلها بالانتهازية المعرفية.

حتى المثقف لم ينجُ من هذا التحول. لقد انقسم إلى نموذجين: الأول هو “المثقف الخدمي”، الذي يبيع معرفته لمراكز البحث، الشركات، الحملات السياسية، والثاني هو “المثقف العارض”، الذي يصوغ أفكاره بطريقة قابلة للتسويق الإعلامي، في عبارات قصيرة، جذابة، لا تزعج النظام. في الحالتين، تنحسر وظيفة المثقف بوصفه شاهدًا على الحقيقة، إلى وظيفة الموظف أو المشاهير، وتُطمس تدريجيًا صورة “الإنسان المخلص للمعرفة”، الذي يذكّرنا به نيتشه، ويحذّر من اختفائه.

ختاما، في زمن الهيمنة الرأسمالية على كل شيء، بما في ذلك أفكارنا وأحلامنا وأسئلتنا، تبدو الحاجة ماسة إلى استعادة مكانة المعرفة كفضيلة. هذا يتطلب إعادة تربية الذائقة الفكرية على الصبر، على الشك، على المعاناة في السؤال، لا على الاستهلاك السهل للجواب. فالمعرفة ليست سلعة، ولا أداة، ولا وسيلة. إنها موقف وجودي، طريق للحرية، وصرخة ضد تشويه الإنسان وتحويله إلى رقم في آلة إنتاج ضخمة. وفي عالم “يكره الإخلاص”، كما قال نيتشه، يصبح الإخلاص للمعرفة أعلى أشكال التمرد.