ذاكرة لا تُقهر: أديبة روميرو وعودة الأندلس من ثغرات التاريخ

“التاريخ لا ينهزم حين تُحرق كتبه وتطمس هويته؛ إنّه يعود دائمًا من فتحة صغيرة في قبرٍ نُسيَ أصحابه.”

هل يمكن للهوية أن تختفي تحت ضغط القرون؟ وهل يقدر التاريخ على دفن ذاته في أعماق الناس ثم يعود فجأة من ثغرة صغيرة في قبر نُسي اسمه؟ وهل تستطيع أمة أن تغيّر أسماءها وديانتها وعاداتها ثم تكتشف بعد زمن طويل أنها لم تهرب تمامًا من جذورها؟ أسئلة تتدفق عندما نقف أمام سيرة امرأة إسبانية تبحث عن أصلها وتسمع نداء الماضي في جملة مطوية داخل تابوت. وحين نتأمل حكاية أديبة روميرو سانشيز، تظهر وكأنها مرآة أندلسية تعكس مصير الموريسكيين الذين عاشوا قرونًا تحت القسر والقهر، وتركوا خلفهم قبورًا صامتة تخبئ كلمات لم يستطع الخوف والقمع أن يمحوها.

في صورة أديبة روميرو سانشيز، تتجمع كل تلك الأسئلة بطريقة تجعل من رحلتها تجربة رمزية أكثر من كونها سيرة فردية. ولدت في شمال غرناطة لأب إسباني اهتز قلبه وهو يستمع لتلاوة عبد الباسط عبد الصمد في مدينة الرباط بالمغرب فاعتنق الإسلام. انتقلت الطفلة أديبة بعد ذلك نحو مكة، أحبت شوارعها الهادئة، واكتسبت لغتها، وتشبعت بروح التصوف المكي، تقول إنها تحس أحياناً بأنها “سعودية أكثر من كونها إسبانية”، وكأن غرناطة القديمة جاءت إليها من طريقٍ بعيد عبر الحجاز. ظنت عائلتها أنها تدخل عالمًا جديدًا، لكنها اكتشفت لاحقًا أن هذا العالم كان مألوفًا منذ 1492 سنة سقوط غرناطة، كأنه امتداد بعيد لزمن أخفته البلاد خلف جدران الكنائس وقوانين التنصير ومحاكم التفتيش.

وعندما عادت أديبة إلى إسبانيا، وجدت أن الأندلس تتبعها كما يتبع ظلّ خفيف جسد صاحبه، وقد كانت تشعر بأن ثمة صلة عميقة تربط الإسبان بماضيهم الأندلسي حتى وإن جهدوا في إخفائه. فالموسيقى الأندلسية التي يسمعها الناس في الجنوب الاسباني، والعادات اليومية في البيوت الريفية، والكلمات العربية التي ما تزال تتردد في لغة الشارع، كلها دلائل على تاريخ لا يريد أن ينطفئ. وتقول أديبة إن ما يورثه القهر لا يزول، وإنما يتحول إلى طبقة رقيقة من الذاكرة تتوارى خلف الظاهر.

في بودكاست “مغارب” للصحفي محمد رماش، روت قصةً تهزّ وجدان السامع. عند فتح قبر أحد الأندلسيين القدامى، وُجدت ورقة صغيرة داخل التابوت، كأن صاحبها خبّأها في لحظة خوف، أو في لحظة يقين أخير قبل الرحيل. كُتب فيها: “يا منكر، هو مسلم لكن نسي أنه مسلم!”، هذه الجملة تكشف حجم الألم الذي كان يعيش فيه الموريسكيون، ناسٌ أُجبروا على التنصر تحت وطأة السيوف ومحاكم التفتيش، فاختاروا النجاة، وحاولوا أن يعيشوا باسم جديد وديانة جديدة، لكن صوتهم الداخلي ظل يردّد اعتقادهم القديم.

إقرأ المزيد:  العدالة في الشرق القديم

تشير أديبة إلى أن كثيرًا من المقابر التي اكتُشفت في مناطق أندلسية ما تزال تتجه نحو القبلة، وأن بعض الأسماء الإسبانية التي تحمل أسماء نباتات أو مدن تعود جذورها إلى أسر مسلمة. هذه الشواهد تنبت في أماكن متفرقة، كأن الأرض نفسها تفضح ما حاول التاريخ طمسه. ورغم محاولات التعتيم ومحو وطمس الذاكرة، بقيت آثار الموريسكيين في نبرة الغناء، في الطبخ، في الحرف اليدوية، وفي تفاصيل صغيرة يرى فيها الباحث أثرًا لأصابع أجداد خفية.

علاوة على ذلك، تُظهر قصة عائلة روميرو سانشيز امتدادًا لهذا الإرث المدفون، فقد أسلم والد أديبة في زمن بدا له بعيدًا عن الماضي الأندلسي، لكنه وجد في الإسلام طمأنينة تشبه رجوع المسافر إلى بيته الأول. أما أديبة فقد وجدت في البحوث والوثائق والمخطوطات ما يؤكد أن إسبانيا الحديثة قامت فوق طبقات من الهوية الممزقة. كانت تحاول فهم كيف ذاب الموريسكيون في المجتمع الإسباني، وكيف تحولت قصتهم إلى تاريخ مكتوم لا يُذكر إلا عرضًا، مع أنها جزء أساسي من تكوين إسبانيا المعاصرة.

وحين نقارن رحلة أديبة بما حدث في العالم الإسلامي، نجد أن شعوبًا كثيرة مرت بتجارب فناء حضاري مشابهة، لأن التاريخ لا ينهار دفعة واحدة، وإنما يتسرب عبر نظام الأسرة واللغة والذاكرة. ويحدث أن ينقلب مصير أمة كاملة بسبب وباء أو غزو أو انهيار سياسي، كما وصف ابن خلدون حين تحدث عن الطاعون الجارف في منتصف القرن الثامن الهجري. فهو يرى أن الطاعون الذي ضرب المغرب والأندلس أحدث تغيرًا شاملًا مسّ البشر والعمران والدول، حتى بدت الأرض وكأنها خُلقت من جديد. كتب في مقدمته يقول: “وإذا تبدّلت الأحوال جملة فكأنّما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره وكأنّه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث”.

إن هذا الاضطراب العظيم أعاد تشكيل المجتمعات، وأسهم في تغيّر موازين القوى، ودفع الناس إلى الهجرة، وقاد ممالك كاملة نحو الضعف. ويمكن القول إن الطاعون كان عاملًا خفيًا مهّد لسقوط غرناطة، وفتح الطريق أمام سياسات التنصير والتهجير التي أنهت الوجود الإسلامي الظاهر في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وعندما ندمج رؤية ابن خلدون مع قصة أديبة، تتضح صورة أوسع للتاريخ: الأحداث الكبرى تصنع تغيّرات سياسية واجتماعية، والذاكرة الفردية تحفظ ما لا تستطيع الدول حفظه. فالطاعون الذي رآه ابن خلدون يؤدي إلى تقويض الدول، خلق فراغًا سمح لقوة أخرى أن تصعد، وقاد إلى مرحلة جديدة من التاريخ الإسباني. وعندما سقطت الأندلس، لم يختفِ المسلمون تمامًا، وإنما عاشوا في الظل، وانتقلت ذاكرتهم عبر أجيال نسيت نفسها، لكنها لم تتخل عن آثار عميقة تعود للسطح في لحظات غير متوقعة.

إقرأ المزيد:  حب النبي للوطن بين الفطرة الإنسانية ورسالة السماء

وفي تجربة أديبة، تتجسد هذه العودة، لأنها كانت لا تبحث فقط عن نسب عائلي بقدر ما تبحث عن تاريخ دفنته السلطة السياسية والدينية. تقول إن الإسبان فقدوا نصف ذاكرتهم حين محوا الأندلس من تاريخهم المدرسي، وإن هذه الفجوة تتحول اليوم إلى قلق ثقافي. لذلك تبدو قصتها أكثر من دراسة أكاديمية، إنها محاولة لفهم معنى الانقطاع التاريخي، ورغبة في إعادة وصل المسار الذي انكسر في لحظة قسرية. وتبدو الجملة التي وُجدت في القبر بمثابة صرخة صغيرة من الماضي تقول إن الهوية لا تموت تحت الضغط، وإنما تتخفى، وإن الشعوب التي تُطارد في عقيدتها لا تنسى كل شيء، بل تحتفظ بلبٍّ روحي يطل من بين الشقوق. إنها كلمات تعلن عن عودة التاريخ بطريقة خافتة، لأن الإنسان قد ينسى اسمه لكنه لا ينسى أثره.

وفي الأخير، إن حكاية أديبة لا يمكن اعتبارها فقط بحث في أصول عائلية، وإنما بحث في الذاكرة والإنسان والتاريخ. إنها درس في أن الهوية يمكن أن تنحني ولا تنكسر، وأن الماضي يسكن في التفاصيل الصغيرة، وأن الشعوب تترك وراءها إشارات تنتظر من يقرأها. وعندما نضع هذه الحكاية إلى جانب ما كتبه ابن خلدون عن تبدل العالم في زمن الطاعون، نفهم أن التاريخ سلسلة تواصل لا تنقطع، وأن الإنسان، مهما حاول أن يختبئ من جذوره، يجد نفسه يعود إليها بطريقة أو بأخرى، مرة عبر قبر مفتوح، ومرة عبر امرأة من غرناطة تروي للناس ما بقي في الذاكرة، وما لم تُفلح القرون في محوه.

وهكذا، عند قراءة عبارة “لا غالب إلا الله” على أحد جدران قصر الحمراء أو في أحد المساجد، يتسلل إلينا إحساس عميق بأن الكلمات لم تُنقش من أجل الزينة، وإنما لتلقّن الناس درسًا أهملوه طويلًا: الأمم تفقد مكانها في التاريخ عندما تنسى ذكراها، لا عندما تنكس رايتها.