صراع الأنظمة المعرفية.. تفكيك العقل العربي في مشروع الجابري

يقول محمد عابد الجابري في كتابه “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”:

“في ميكانيزم الدفاع تلتجئ الذات إلى الماضي وتحتمي به لتؤكد من خلاله وبواسطته شخصيتها ولذلك يعمد الإنسان إلى تضخميه وتمجيده مادام الخطر الخارجي قائما، اما في ميكانيزم النهضة فالإنسان لا يطلب الماضي لذاته بل يختزله في ” اصول” يعيد إحياءها، على صعيد الوعي كذلك، والانطلاق إلى المستقبل، تفكيراً وممارسة.”

ما الذي يحكم العقل العربي في سيرورته؟ هذا السؤال ليس سؤالًا نظريًا مثالياُ متعالياُ، بل هو سؤال وجودي، جذري، يتسلل إلى أعماق الذات الثقافية للأمة. الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري في معمار تفكيكه وفي تشريحه للتراث العربي، لا يقدم العقل العربي كأداة معزولة عن زمانها ومكانها، بل كنسيج متشابك، ينسج عبره الإنسان العربي علاقته بالمقدس، بالكون، وبذاته. إن الأنظمة المعرفية الثلاثة التي يعرضها الجابري – البيان، العرفان، البرهان – ليست سوى محطات في مسار هذا النسيج، عقد تُحاك وتتفكك، تتصارع وتتصالح.

إن البيان في نظر الجابري ليس نظامًا معرفيًا فحسب، بل هو سلطة، ديكتاتورية هادئة، يفرض هيمنته عبر اللغة والنص، هنا تصبح الكلمات ليست أدوات للفهم فحسب، بل سجونًا تحدد مسارات التفكير. فاللغة عند البياني “الفقيه”، ليست وسيلة، بل هي غاية؛ الكلمة تُعبد، والنص يصبح الأصل الذي لا ينازع. لكن هذا البيان، رغم جبروته، لم يكن يومًا عقلًا خالصًا، إنه عقل محكوم بالسياق، يُعيد تشكيل النصوص لتصير مرايا تعكس هموم المرحلة، فهو عقل يُظهر التناقض بين اللامحدود الذي تدعيه اللغة، والمحدود الذي تفرضه الحياة.

بينما يسعى البيان إلى إظهار النصوص، ينحرف العرفان نحو غيابه، فهو ليس نظامًا فكريًا فقط، بل هو رؤية للعالم تقيم في الظل. ويرى الجابري في العرفان فعلًا معرفيًا متمردًا، يرفض القواعد الظاهرة للنصوص، ليبحث عن “باطن” مُتخيل، عن “سر” لا يتجلى إلا لمن يملك مفاتيحه، لكن هذا السعي نحو الباطن ليس بريئًا. فالعرفان في جوهره، يخدم سلطة أخرى، هي سلطة الغموض، حيث تصبح المعرفة أداة للإقصاء، إنه عقل يحتكر الحقيقة، يجعلها في قبضة القلة، وينفيها عن العامة. هكذا، يتحول العرفان إلى عقل استبدادي، يتخفى خلف ستار الكشف.

إقرأ المزيد:  العقل العربي.. نقد الذات وبناء النهضة في مشروع الجابري

ثم يأتي البرهان، غريبًا، مهاجرًا، منقطعًا عن جذور الثقافة العربية، فهو في تصور الجابري محاولة لإخضاع العالم لمنطق الحجة والوضوح. لكنه لا يدخل السياق الثقافي العربي بسلام، بل يثير صراعًا ويزعزع يقنيات، ويقلب توازن القوى بين البيان والعرفان. فالبرهان هو الفيلسوف الذي يرفض الفقيه، والعالم الذي يواجه الصوفي. لكنه، في الوقت نفسه، لا يستطيع أن يتحرر بالكامل من إرث البيان. لأن البرهان العربي كما يراه الجابري، هو عقل متردد، يحمل شظايا البيان والعرفان في طياته، يحاول التوفيق بينهما لكنه يظل مشدودًا إلى أصوله الثقافية.

هذه الأنظمة الثلاثة ليست معارف ثابتة، بل هي حركة وصراع مستمر في الزمان. إن الجابري يرسمها كصراع أزلي بين ثلاث رؤى للعالم: البيان يمثل النظام، العرفان يجسد الثورة، والبرهان يعبر عن الهجرة نحو العقلانية. هذا الصراع ليس فكريًا فقط، بل هو صراع وجودي، يعكس أزمة الهوية الثقافية للعرب، إنه صراع بين الثبات والمتحرك، بين النص والكشف، بين الميتافيزيقا والعلم. وفي كل مواجهة، لا تُهزم أي من هذه الأنظمة بالكامل، بل تُعاد صياغتها، لتصبح جزءًا من شبكة جديدة للعقل العربي.

إذا كان الجابري يدعو إلى نهضة، فهي ليست دعوة لإلغاء الأنظمة الثلاثة، بل لتجاوزها. التجاوز هنا ليس قطيعة، بل هو فعل تفكيكي يعيد ترتيب العلاقة بين البيان والعرفان والبرهان، ليخلق نظامًا جديدًا، يتصالح مع الماضي لكنه لا يظل أسيرًا له. هذا النظام الجديد، كما يتصوره الجابري، هو عقل قادر على استيعاب الكونية دون أن يفقد خصوصيته، عقل لا يرى في التراث عبئًا بل موردًا، ولا يرى في الحداثة تهديدًا بل فرصة.

في الأخير، المعرفة عند الجابري ليست حالة نهائية، بل حركة مستمرة، فالبيان، والعرفان، والبرهان ليست إلا محطات، مراحل في طريق طويل. وهكذا، فالنهضة الحقيقية ليست في الوصول إلى نظام معرفي واحد، بل في استمرارية الحركة، في إبقاء العقل مفتوحًا، مستعدًا للشك، للتغيير، وللإبداع. من هنا، يعيد الجابري تعريف النهضة: ليس كعودة إلى الماضي أو قطيعة معه، بل كفعل تحرري دائم، ينطلق من نقد الذات ليعيد تشكيل العالم.

إقرأ المزيد:  هوامش المدن.. فلسفة الظلال على أطراف الحضارة