نقد الأكاديمية المعاصرة: تشريح مؤسسة زومبي في زمن هيمنة السوق

«حينما تتحول الجامعة من فضاء للمعرفة إلى مؤسسة تُدار كأنها شركة، يفقد الأكاديمي حريته الأولى: حرية أن يفكر بلا خوف، وأن يسأل بلا قيد، وأن يصنع معرفة لا تُقاس بالأرقام.»

هل يمكن للجامعة أن تبقى فضاءً للمعرفة وهي تزداد تشبهاً بشركة عملاقة تُدار بعقلية السوق؟ وهل يستطيع الأكاديمي أن يحافظ على جوهر اشتغاله الفكري وسط عالم يطالبه بأن يكون موظفاً ممتازاً أكثر من كونه مفكراً حراً؟ هذه الأسئلة تُطرح بإلحاح مع تفاقم ظاهرة ما يسميه بيتر فليمنغ  Peter Fleming (أستاذ دراسات التنظيمات في جامعة التكنولوجيا بسيدني) «الأكاديمية المظلمة»، حيث تتآكل الروح الفكرية للمؤسسة الجامعية تحت وطأة لغة الإدارة الحديثة، ويتحوّل البحث العلمي إلى سلسلة من المهام القابلة للقياس والمراقبة.

عندما يصف فليمنغ في كتابه ” Dark Academia: How Universities Die” الجامعة بأنها “مؤسسة زومبي”، فهو لا يبالغ. لأن الجامعة تظهر حية بطقوسها القديمة: محاضرات، مجالس علمية، لجان، مؤتمرات، ومكاتب عامرة بالأوراق…، لكنها في العمق جسد منهك، فارغ من الحياة التي كانت تمنحه معنى: فضول معرفي، نقاشات حرة، حبّ للبحث من أجل البحث ذاته. ما تبقى اليوم هو قشرة شكلية تحمي منظومة تقوم على لغة “التميز” و”الأثر” و”العلامة التجارية”، وهي لغة لا تنتمي إلى أصحاب المعرفة بقدر ما تنتمي إلى مدراء التسويق.

المنظومة الجديدة لا تُقيّم الأستاذ بقدرته على التدريس أو بعمق أسئلته، وإنما بقدر ما ينتج من “مخرجات” قابلة للحساب والقياس. هنا ينقلب الأكاديمي إلى آلة إنتاج مستمرة، يُطلب منها أن تكتب بلا توقف، أن تحصل على التمويل بلا كلل، وأن تتابع مؤشرات الأداء كما لو كانت موظفاً في بنك. هذه الآلية لا تخلق معرفة، بقدر ما تخلق قلقاً دائماً، وإحساساً بأن كل إنجاز ناقص حتى يثبت العكس. “النشر أو الفناء” لم تعد مجرد عبارة، وإنما بنية كاملة من الضغط تفرض على الباحث حالة وجودية من الخوف، تجعل حياته المهنية سلسلة من سباقات لا نهاية لها.

إقرأ المزيد:  غار حراء: خلوة الروح وبداية الوحي

وتحت هذه الطبقة الإنتاجية “الأكاديمين”، يتسع جهاز إداري ضخم يفرض رقابة يومية على التفاصيل: نماذج يجب تعبئتها، تقارير يجب تقديمها، خطط يجب تحديثها…، وبهذا فما يزدهر اليوم ليس المختبرات ولا النقاشات العلمية العميقة، وإنما المكاتب الإدارية التي تتحكم في كل حركة داخل الجامعة. وهكذا، تصبح الإدارة هي العقل الفعلي للمؤسسة، بينما صار البحث والتدريس غطاءً لشرعية شكلية.

هذه البيئة تُنتج ثقافة مهنية “سامة”، تُشجع على التظاهر بالنشاط، وعلى الاندماج في دوامة العمل المفرط من أجل إثبات الولاء للنظام. الجميع يعرف أن اللعبة مختلة، والجميع يواصل لعبها. هذا “السينيسيزم الجماعي” الذي يتحدث عنه فليمنغ هو أحد أخطر أمراض الجامعة الحديثة، لأنه يسمح باستمرار وضع يرهق الجميع، ويمنع أي محاولة لتغييره. الأكاديمي يضحك بمرارة على المطلوب منه، لكنه يلتزم به خوفاً من فقدان الوظيفة؛ هكذا يُعاد إنتاج النظام بفضل الخضوع الصامت.

الأخطر من كل ذلك أن الجامعة تحولت إلى “علامة تجارية”، حيث صارت تهتم بترتيبها في اللوائح أكثر مما تهتم بمستوى المعرفة. ما يُنشر من أبحاث وما يُنتج من برامج لا يُنظر إليه بوصفه إسهاماً في العلم، وإنما بوصفه مادة دعائية تُستخدم لجذب “الزبائن” الذين كانوا يُسمّون سابقاً “الطلبة”. هنا يفقد الفضاء الأكاديمي جوهره التربوي، ويتحوّل التعليم إلى سلعة، والطالب إلى مستهلك، والأستاذ إلى موظف يؤدي خدمة.

إن نقد الأكاديمية اليوم ليس ترفاً فكرياً، بقدر ما هو ضرورة وجودية. لأن المؤسسة التي وُلدت لتكون فضاءً للحرية الفكرية صارت بيئة خانقة تُنتج الإرهاق بدل المعرفة، والخوف بدل الإبداع. والجرأة التي يقدمها فليمنغ تكمن في الاعتراف بأن الخلل بنيوي، وأن محاولة “التكيف” مع منظومة مختلّة ليست حلاً، وإنما استمراراً في الوهم. لهذا يشرعن الخيار الذي يخشاه كثيرون: الخروج من الأكاديمية، ليس باعتباره هروباً، وإنما باعتباره استعادة للذات من قبضة نظام يُعيد تشكيل حياة الباحث على مقاس لوائح وإحصاءات وأرقام.

إقرأ المزيد:  عبد الوهاب المسيري.. رحلة الفكر من المادية إلى فلسفة الإنسان المركب

غير أن هذا النقد يفتح سؤالاً أكبر: هل يمكن تخيّل جامعة جديدة، تتحرر من عقلية السوق وتستعيد روحها الأولى؟ أم أن النموذج الليبرالي الجديد قد بلغ من القوة ما يجعل البديل مستحيلاً في الأفق القريب؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها الكتاب، لكنه يمنح القارئ ما هو أثمن من الإجابات: لغة يفهم بها جرحه الداخلي، ووعياً يُخرج تجربته من خانة “الذنب الشخصي” إلى خانة “المرض البنيوي”.

ذلك الوعي هو الخطوة الأولى نحو مقاومة هذا الواقع، سواء من داخل الجامعة أو من خارجها. لأن الأكاديمية لن تتغير ما لم يتوقف الأكاديميون عن لعب اللعبة، وما لم تُستعاد فكرة الجامعة كمجال يُصنع فيه معنى الحياة الفكرية، لا كمؤسسة تُدار بمنطق السوق. في هذا المسار يبدأ النقد الحقيقي، ومن الاعتراف بأن الانهيار واقع، ومن طرح السؤال الضروري: أي جامعة نريد، وأي معرفة تستحق أن نكرّس لها أعمارنا؟