“أبتاه، إذا أُجبرنا في يوم ما على الاختيار بين العقيدة وأرضنا، أيهما سنختار؟
العقيدة يا بني، العقيدة أكثر أهمية من الأرض بالنسبة للمسلم. حين نفقد العقيدة لا يعود للحياة معنى. حين نفقد الأرض ونحافظ على العقيدة فالأمل يبقى قائما في استعادة الأرض.”
حسن أوريد، الموريسكي.
هل يمكن لجماعة اقتُلعت من أرضها واقتُلعت معها طبقات الذاكرة واللغة والدين، أن تعيد تشكيل ذاتها في موطن جديد؟ وكيف يتحول الألم الجماعي إلى طاقة سياسية قادرة على إنشاء كيان مستقل؟ وهل كانت جمهورية أبي رقراق مجرّد تجربة قرصنة بحرية خارجة عن القانون، أم كانت محاولة تاريخية لتأسيس دولة بديلة تعيد للموريسكيين شيئًا من معنى الوجود بعد محنة الاقتلاع؟ ثم ما الذي يكشفه هذا الحدث عن قدرة الجماعات البشرية على التكيّف، وعن هشاشة الحدود بين الشرعية والتمرد حين تُنزع الحماية السياسية عن الإنسان؟ هذه الأسئلة لا تعتبر مدخل تاريخي فقط، وإنما هي مفاتيح لفهم إحدى أكثر اللحظات كثافةً في تاريخ المتوسط.
إن مأساة الموريسكيين، كما وصفها المؤرخ خوان دي مارِيانا، تمثل “اقتلاع شجرة من جذورها ورميها في صخرة”، ومع ذلك استطاع هؤلاء المقتلعون أن يعيدوا تشكيل ذواتهم على ضفاف أبي رقراق. فبعد سقوط غرناطة سنة 1492 كان المسلمون يعتقدون أنهم سيحافظون، ولو بشكل هش، على اتفاقات التسليم (بموجبها سلم أبو عبد الله الصغير غرناطة بعد صلح عقده مع فرناندو في تاريخ 25 نونبر 1491) التي تضمن لهم حدًا أدنى من ممارسة شعائرهم الدينية دون المساس بجوامعهم ومناراتهم. غير أن محاكم التفتيش كشفت سريعًا عن سياسة استئصال منهجي استهدفت كل ما يمتّ إلى الإسلام والثقافة الأندلسية بصلة. وفي هذا السياق ظهرت الكتابة الألخميادية، كأنها صرخة تقول: “نكتب بلغتهم ولكن بذكرياتنا”. لقد جعلت هذه الكتابة من اللغة جلدًا جديدًا لهوية مهددة بالفناء، وخلقت مجتمعًا يكتب سرًا ليبقى حيًا.
علاوة على ذلك، لم تكن مراسيم 1609–1614 مجرد إعلان طرد، بقدر ما كانت جريمة اقتلاع كبرى، إذ وصف المؤرخ الإسباني المعاصر ميكيل دي إيبالثا في كتابه “الموريسكيون في إسبانيا وفي المنفى” المشهد بقوله: “كان طرد الموريسكيين حدثا بارزا فى تاريخ إسبانيا خلال القرن السابع عشر، لكن ذلك الحدث كان له طابع مأساوى، بالنظر إلى فترة التعايش مع المسلمين في شبه الجزيرة على مدى تسعة قرون”. هذا الألم الذي حمله الموريسكيون معهم إلى المغرب كان بذرة صراع داخلي وخارجي. فعلى الرغم من أنهم وصلوا محملين بالمهارات الفلاحية والحرفية والعسكرية، إلا أن الصدمة الأولى كانت قاسية: نهب، خوف، انغلاق اجتماعي، وتوجس من السكان المحليين. ومع ذلك، سرعان ما تحول هذا الألم إلى قدرة تنظيمية، خاصة في سلا والرباط حيث وجد الموريسكيون فضاءً يمكن أن يتحول إلى قاعدة بحرية.
اشتهرت الجمهورية بنظام سياسي فريد، جمع بين الانعزال الاجتماعي للموريسكيين ورغبتهم في الاستقلال، وبين نشاط عسكري بحري تطوّر بسرعة مذهلة:
- سنة 1617 امتلك القراصنة 4 سفن فقط.
- سنة 1626 بلغ الأسطول 60 سفينة.
- وصلت عملياتهم إلى شواطئ إنجلترا وأيسلندا وكورنوال.
كانت القرصنة أساس اقتصاد الجمهورية، ووسيلة للدفاع عن النفس، وأداة سياسية للتفاوض، إذ أقامت علاقات مع هولندا وإنجلترا وفرنسا، واستقبلت قناصل، ووقّعت اتفاقيات تبادل الأسرى وفتح الموانئ.
كانت جماعة الحرناشيين أبرز تجلٍّ لتلك الدينامية الجديدة. فقد وصلوا من هورناتشوس وهم يحملون صلابة جماعية لافتة، ويعتمدون على ركيزتين أساسيتين: المال الوفير والخبرة الحربية المتراكمة. وقد أشار المؤرخ ميكيل دي إيبالثا إلى خطورة هذه الفئة بقوله إن “من بين دوافع منع الموريسكيين من الهجرة إلى البلاد الإسلامية الأسبابُ العسكرية، إذ كان الخوف كبيرًا من أن ترفد هذه الجماعاتُ الدولَ الإسلامية المتحاربة مع إسبانيا بقوة بشرية تعزز قدراتها، خصوصًا في المجال البحري”. كانت هذه الخصائص بالذات هي التي مكّنت الحرناشيين من الاندماج بسرعة في البنية السياسية للرباط وسلا، حيث وجدوا فضاءً مناسبًا لترسيخ نفوذهم. ورغم أن السلطان السعدي زيدان بن المنصور حافظ على رمزية السلطان وهيبته، فإن السلطة الفعلية بدأت تتحول تدريجيًا إلى أيدي الديوان، الذي صار يدير شؤون الميناء والضرائب والأسطول تحت قيادة نخبة موريسكية تحمل مشروعًا استقلاليًا واضح الملامح.
وفي خلفية هذا التحوّل برزت شخصية محمد العياشي التي لا يمكن تجاوزها. فهو قائد قبلي، ومجاهد، وسياسي، جمع بين الشجاعة والطموح، ووجد في الموريسكيين حلفاء محتملين، قبل أن تنقلب العلاقة. فقد كان العياشي يريد حربًا لا تنتهي ضد النصارى، بينما كان الموريسكيون يفضلون استخدامها كوسيلة تفاوض لا كأيديولوجيا دائمة. وحين تصاعد الخلاف، لجأ العياشي إلى فتاوى تجيز قتالهم، ووصل إلى حد مهاجمة سلا القديمة سنة 1040هـ، في واحدة من أكثر اللحظات دلالة على هشاشة التحالفات داخل الدولة السعدية المتهاوية. ويمكن تلخيص هذا الصراع بما يلي: كان العياشي يقاتل ليحكم، وكان الموريسكيون يقاتلون ليبقوا.
ومع انحسار سلطة السعديين، وازدهار التجارة غير الشرعية، وارتفاع عدد السفن الموريسكية من أربع سفن إلى ستين بين 1617 و1626، وامتداد هجماتهم حتى أيسلندا وكورنوال، صار مفهوم “الجمهورية” واقعًا. كان الديوان ينتخب قائدًا لمدة سنة، في نظام أشبه بالأوليغارشية البحرية، حيث المال والسلاح يحددان من يحكم. وقد كتب السفير الهولندي كورنيليس دي براين عن هذه الجمهورية قائلاً: إنها دولة صغيرة، قوية، صامتة، لا تُحكم إلا بقدر ما تحتاجه سفنها.
والقرصنة في هذا السياق لا تعتبر سلوك إجرامي، بقدر ما هي فعل سياسي. إنها ردّ على طرد، وثأر للهوية، ومحاولة لبناء قوة في عالم يرفض الاعتراف بالمقتلعين. ولعل هذا ما يفسر العلاقات المعقدة التي أقامتها الجمهورية مع هولندا وإنجلترا وفرنسا، واتفاقيات تبادل الأسرى، واستقبال القناصل، والتفاوض على الموانئ. لقد كانت الجمهورية كيانًا رماديًا بين الشرعية واللاشرعية، بين الدولة والعصابة، بين المقاومة والجريمة، لكنّها كانت أيضًا لحظة بحث عن هوية سياسية جديدة.
ومع ذلك، فإن هشاشة الداخل كانت أقوى من صلابة البحر. لأن الصراعات بين الحرناشيين والأندلسيين، ومحاولات السعديين والديلائين استعادة السيطرة، وصعود الدولة العلوية التي كانت تبحث عن توحيد البلاد، كلها عوامل جعلت الجمهورية تنهار سنة 1668. لكن النهاية لا تلغي التجربة وإنما تُضيء معناها. فالموريسكيون الذين وصلوا إلى المغرب بصدمة اقتلاع، استطاعوا خلال نصف قرن أن يحولوا أنفسهم من ضحايا إلى فاعلين، ومن لاجئين إلى حكّام، ومن مهجّرين إلى بناة كيان سياسي. لكنها ظلت، رغم نهايتها، تجربة سياسية فريدة جمعت بين:
- جرح تاريخي عميق
- مهارة عسكرية بحرية
- بحث عن هوية جديدة
- ورغبة في استقلال سياسي
وظل أثر الموريسكيين في المغرب بارزًا في الزراعة، والصناعة، والعمارة، والفنون، وحتى في تشكيل الذهنية الحضرية للمدن التي استقروا فيها كمدينة سلا والرباط وشفشاون.
في الأخير، يظل الأثر الموريسكي في المغرب شاهدًا على هذه القدرة: في الزراعة التي حملت تقنيات أندلسية، وفي الحِرف الدقيقة، وفي العمارة السلاوية والرباطية، وفي الذهنية الحضرية التي جمعت بين الانغلاق الدفاعي والانفتاح البحري. لقد كانت جمهورية أبي رقراق درسًا في أن الجماعات البشرية تستطيع أن تعيد خلق ذاتها حتى بعد أشد الكوارث، كما كانت تجسيدًا لفكرة مفادها: لم نغادر أرضًا، وإنما غادرنا جرحًا، ولعلنا نجد على الضفة الأخرى شيئًا من الشفاء.








