في عصر العولمة، لم تعد الذاكرة الجماعية محصورة في الإطار الوطني، فمع تسارع تدفق المعلومات عبر الحدود في العصر الرقمي، نشأت ما يمكن تسميته بـ ذاكرة جماعية عابرة للحدود. لكن هذه الذاكرة العالمية ليست محايدة، بل تخضع لآليات القوة والهيمنة والبروباغاندا. تُنتَج هذه الذاكرة وتُدار كما تُنتَج السلع وتُدار الأسواق. فكما توجد سلع ذات قيمة عالية وسلع أخرى من الدرجة الثانية، توجد في سوق الذاكرة العالمي مآسٍ مركزية وأخرى هامشية. ولا يتم هذا التصنيف بناءً على حجم المعاناة الإنسانية أو عدد الضحايا، بل بناءً على قدرة الفاعلين السياسيين والثقافيين على تسويق رواية معينة وجعلها مقبولة على المستوى العالمي.
في هذا السوق، أصبحت المحرقة النازية لليهود “السلعة” الأكثر قيمة، بينما تبقى مآسي أخرى، كتلك التي حدثت في الكونغو وناميبيا وغيرها من المناطق الإفريقية والآسيوية، سلعاً من الدرجة الثانية، ليس لأن معاناة ضحاياها كانت أقل، بل لأن الرواية المسيطرة لم تمنحها القيمة الرمزية نفسها، أو لأن الجهات التي تقوم بهندسة الذاكرة الجماعية تحاول بنفس القدر هندسة النسيان الجماعي. تم التعتيم المتعمد على فصول تاريخية تتعارض مع الرواية الرسمية أو تكشف عن الجانب المظلم للسلطة. هذا النسيان ليس غياباً للذاكرة، بل هو حضور قوي للغياب.
بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، لم تكن المحرقة تحتل المركزية التي تحتلها اليوم. فقد كانت جزءاً من فظائع الحرب الأوسع. لكن مع تصاعد الخطاب الصهيوني، بدأ تحول استراتيجي. ففي خطابات الأمم المتحدة أثناء تلك الفترة جرى ربط معاناة اليهود في أوروبا بشكل صريح بحتمية إقامة وطن قومي في فلسطين. هذه ما كانت مجرد تعبيرات تعاطف، بل كانت إعادة صياغة استراتيجية للقضية. لقد تحولت المحرقة من مأساة إنسانية إلى “رأسمال أخلاقي” يُستثمر سياسياً. كانت الصيغة بسيطة ومفعولة: معاداة الصهيونية هي امتداد لمعاداة السامية الأوروبية، ومعارضة إسرائيل هي إنكار لدرس المحرقة.
هذه الرواية تجسدت أيضاً في قوانين مكتوبة، فالتعريف القانوني لجريمة الإبادة الجماعية، التي صاغتها القوى الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية في الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الابادة الجماعية، صُمم ليتناسب مع النموذج الخاص للهولوكوست– نموذج الإبادة البيروقراطي القائم على أيديولوجية واضحة ونية للتدمير الكلي أو الجزئي لجماعة وطنية او اثنية او عنصرية او دينية. هذا الإطار، على الرغم من أهميته في محاكمة جرائم النازية، أحدث نقطة عمياء ملائمة.
فالإبادة الجماعية في الكونغو البلجيكية لا تتوافق مع هذا القالب القانوني والروائي. حيث يصعب إثبات أن النظام الاستعماري كان ينوي إبادة الشعب الكونغولي كهدف بحد ذاته، فالنظام كان يصور نفسه كمشروع تنموي وتحضيري، بينما كانت الإبادة الجماعية تحدث كنتيجة حتمية لسياسات الاستغلال الاقتصادي المنظم. لم تكن إبادة على نمط معسكرات الهولوكوست، بل كانت إبادة استعمارية قائمة على الاستخراج والنهب من أجل الموارد الطبيعية والربح. لم تكن أداتها الرئيسية غرف الغاز، بل العمل القسري، الجوع الممنهج، والبتر المنظم للأطراف. ولم يكن الجناة نظاماً عدواً مهزوماً مثل المانيا النازية، بل هم نفس الملكيات والأمم الأوروبية التي يقدسها الغرب كمنارات للحضارة مثل فرنسا وبلجيكا.
هذا التشويه في الفهم له تبعات عملية خطيرة. فهو يسمح للدول الاستعمارية السابقة بتجنب المسؤولية الكاملة عن جرائمها، بحجة أن ما حدث لا يرقى إلى مستوى “الإبادة الجماعية” بالمعنى القانوني الدقيق. وهو تبرير يعتمد على قراءة حرفية ضيقة للقانون الدولي. هذا الانتقاء ليس عشوائياً، بل هو جزء من هندسة الذاكرة العالمية. فالتعريف القانوني الحالي للإبادة الجماعية يصمم بطريقة تسمح بإدانة الأعداء الجيوسياسيين للغرب، بينما تُستبعد منه الجرائم التي ترتكبها الحكومات العميلة أو تلك التي تتم بمباركة غربية. مجزرة جاكرتا التي راح ضحيتها ما بين 500 ألف إلى مليون شخص، كانت مدعومة بشكل فعال من قبل المخابرات الأمريكية والبريطانية كجزء من الحرب الباردة. ومع ذلك، لم يطالب أحد بمحاكمة المسؤولين عنها كمجرمي حرب.
لم تكن هندسة الذاكرة العالمية مجرد عملية سياسية أو قانونية جافة، بل كانت–ولا زالت–معركة ثقافية تخاض على شاشات السينما وفي مخيلة المشاهدين. فبينما أنتجت هوليوود مئات الأفلام التي جسّدت مأساة المحرقة، مثل “قائمة شاندلر” و”عازف البيانو” و”الصبي في البيجاما المخططة”، والتي تحولت من مجرد أعمال فنية إلى جزء عضوي من الذاكرة الجماعية العالمية، ظلت جرائم الاستعمار والإبادة الجماعية الأخرى مثل ابادة السكان الاصليين لتيمور الشرقية وغواتيمالا غائبةً عن الشاشة الكبيرة.
هذا التفاوت البصري لم يكن بريئاً، فبينما أصبحت صورة المعسكرات والنازية النموذج المُطلق للشر الذي يمكن للجميع إدانته، ظلت صور الجرائم الاستعمارية تفتقر إلى ذلك التجسيد البصري الموحّد الذي يخترق الحدود والثقافات. وهكذا، لم يعد الأمر مجرد اختلاف في كمّ الأفلام المنتجة، بل أصبح اختلافاً في البنية العميقة للوعي الجمعي، حيث يسهل على الإنسان استحضار صورة معسكر اعتقال، بينما يعجز عن تخيل ملامح الضحايا في مجازر الاستعمار. هذه الفجوة البصرية لم تخدم فقط رواية القوى المسيطرة، بل صنعت تسلسلاً هرمياً للمعاناة في العقل العالمي، جعل من بعض المآسي قضايا إنسانية عالمية، وبعضها الآخر مجرد حوادث تاريخية محلية.
وتأتي معضلة متحف إفريقيا في بلجيكا لتكشف عن استمرار نفس المنطق في هندسة الذاكرة البصرية بأساليب مختلفة، فبينما تخلق الافلام صورا ذهنية جديدة، يحاول المتحف ادارة الصور القديمة. فالمتحف الذي يقف على نفس الأرض التي عُرض فيها 267 رجلاً وامرأة وطفلاً كونغولياً كحيوانات في حديقة بشرية عام 1897، يحاول اليوم تقديم نفسه كمؤسسة تقدمية، لكن عملية إعادة الهيكلة هذه تظل سطحية وغير جذرية. ففكرة إخفاء التماثيل الاستعمارية خلف قطع قماش بدلاً من إزالتها تماماً، ترمز إلى موقف بلجيكا المتردد من ماضيها. إنه اعتراف بالجريمة لكن مع التردد في مواجهتها كاملة. كما أن حجة أن المبنى “محمي كتراث ثقافي” تظهر كيف تُستخدم الذرائع القانونية والإدارية لحماية الرواية الاستعمارية. فحماية التراث المعماري لا يجب أن تعني الحفاظ على الإهانة والإذلال.
تُظهر المقارنة بين متحف إفريقيا في بلجيكا ومتاحف الهولوكوست في ألمانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية الأخرى فجوة عميقة في التعامل مع الذاكرة التاريخية. فبينما تُفرض زيارة متاحف الهولوكوست ضمن المناهج التعليمية الإلزامية، تظل زيارة المتحف الأفريقي في بلجيكا اختيارية وغير منهجية. هذا التمايز في المعاملة ليس عشوائياً، بل يعكس أولويات سياسية وثقافية عميقة. فالمتحف البلجيكي، الذي كان في الأصل أداة لتبرير الاستعمار وإخفاء جرائمه، يحاول اليوم تقديم نفسه كناقد لتلك الحقبة، لكن جهوده تبقى أسيرة الإطار الذي أنشأه. فوجود تمثال “بلجيكا تجلب الحضارة للكونغو”، مهما حاول القائمون على المتحف إخفاءه خلف قطع القماش، ظل شاهداً على عقلية التفوق التي مازالت مسيطرة.
بالنهاية، ان المكانة المركزية للمحرقة لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت مشروعاً استراتيجياً. لقد فهمت النخب الغربية والصهيونية مبكراً أن من يسيطر على الماضي يتحكم في الحاضر، لذلك استثمروا المأساة الإنسانية للمحرقة لبناء رأس مال سياسي وأخلاقي يستخدم لتبرير مشروع استعماري في فلسطين، وفي الوقت نفسه، لطمس جرائم استعمارية أخرى لا تقل فظاعة. أتقنت أوروبا فن “التطهير الرمزي”، فبعد أن أبادت ستة ملايين يهودي في محرقة منهجية، أصبحت تتحدث باسم حقوق اليهود وأمن إسرائيل. وكأنها تقول للعالم: “انظروا كيف كفرنا عن خطايانا”، لا كاعتراف بالمسؤولية التاريخية الكاملة، بل كطقس تكفيري. إنها عملية غسل تاريخي ممنهجة، حيث يتم التركيز على خطيئة واحدة لإخفاء محيط من الجرائم.
وهكذا، بينما تشيد المتاحف الفاخرة لذكرى المحرقة وتجعل دراستها إلزامية في مناهجها التعليمية، تواجه مآسي أفريقيا مثل تلك في السودان والكونغو وناميبيا إهمالا منهجيا حيث انها لا تقدم للغرب شراً واضحاً يمكن استثماره أخلاقياً، بل تعقيدات تعكس إرث الاستعمار وتدخلات ما بعده، وتورط مصالح غربية غالباً. إنها مآسٍ غير قابلة للتسويق لأن تسليط الضوء الحقيقي عليها لا يخدم رواية الإنقاذ الغربي، بل على العكس، يكشف الدور الغربي في استمرار هذه الأزمات. اللامبالاة العالمية تجاهها ليست محض صدفة، بل هي نتيجة منطقية لعنصرية هيكلية عميقة في النظام الدولي، حيث لا تُعتبر المعاناة الأفريقية، ببساطة، قصة تستحق الاهتمام بنفس القدر.
تفكيك هذه الهندسة المعقدة للذاكرة ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. فالفهم النقدي لكيفية تشكل الذاكرة الجماعية، والآليات التي تتحكم في ما نذكره وما ننساه، هو الخطوة الأولى نحو إنشاء ذاكرة أكثر إنصافاً. ذاكرة لا تنكر فظاعة المحرقة، ولكنها في الوقت نفسه لا تستخدمها كذريعة لطمس جرائم أخرى. ذاكرة قادرة على استيعاب تعقيد التاريخ وتركيبته، دون الوقوع في فخ التسلسل الهرمي للمعاناة. فقط من خلال هذه النظرة الشاملة يمكن أن نبدأ في مصالحة حقيقية مع الماضي.








