وهم النجاة الفردية.. خديعة الرأسمالية الكبرى

“حين يُقنعك النظام بأن نجاتك ممكنة وحدك، فاعلم أنه لا يخطط لنجاة أحد.”

لقد بشّر النظام الرأسمالي منذ نشأته الكبرى بفكرة واحدة تبدو في ظاهرها نبيلة: الفرد هو سيد مصيره، ومن يعمل أكثر يربح أكثر، ومن يثق بنفسه سينجو. في هذا الخطاب، تَظهر النجاة وكأنها ممكنة لكل من يملك الإرادة، وكأن الحياة ليست إلا ساحة سباق عادلة، كل من فيها حرّ ويملك نفس الحظوظ. لكن، خلف هذه الفكرة، يتخفّى وهم كبير: النجاة الفردية ليست حرية، بل آلية خادعة تعمّق عزلة الإنسان، وتحوّله إلى كائن خائف، أناني، متشكك في الآخرين، وجاهز دائمًا للتضحية بكل القيم الجماعية في سبيل “نجاته” الوهمية. في هذا السياق، يكتب زيغمونت باومان في الحداثة السائلة: “الفردانية القصوى ليست تحررًا، بل نوع من السجن داخل الذات”. وهذا “السجن الداخلي” هو ما تصنعه الرأسمالية ببراعة تحت اسم الحرية.

في المجتمعات التقليدية، كان الإنسان ينجو عبر الجماعة: العائلة، القبيلة، الطائفة، أو الطبقة. أما الرأسمالية فقد قدّمت بديلًا “تحرريًا”: أنت وحدك كافٍ، بشرط أن تملك مهارات السوق، وتتعلّم “فن البقاء” في نظام تنافسي بلا رحمة. لكن هذا “الفرد” الجديد، المحرّر من الروابط، ليس إنسانًا حرًّا بل كائنًا معزولًا، لا يستطيع أن يتكئ على أحد، ويخشى أن يثق، ويظن أن الجميع خصومه في سباق النجاة، إنه لم يتحرر من الجماعة، بل سُرقت منه الجماعة. وهنا نستدعي كارل ماركس حين قال في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية: “الرأسمالية لا تحرر الفرد، بل تفرغه من علاقاته، ثم تلقي به في العراء”. النتيجة؟ إنسان لا يرى في الآخر ملاذًا أو شريكًا، بل منافسًا محتملًا في حرب النجاة.

الثقافة الرأسمالية الحديثة تُقدّس ما تسميه “التمكين الفردي”: اعمل على نفسك، طوّر مهاراتك، ابنِ علامتك الشخصية، أحب ذاتك، كن أنت ولا تكن غيرك… هذا الخطاب يبدو جميلًا، لكنه في جوهره تحميلٌ كامل للفرد مسؤولية فشله، مهما كانت الشروط المحيطة به قاسية. فإذا فشلت، فالعيب فيك: لم تشتغل على نفسك بما يكفي، لم تكن ذكيًا كفاية، لم “تؤمن بذاتك”. وهكذا يتحوّل النظام إلى قاضٍ خفي، يُخلي نفسه من المسؤولية، ويجعل الفرد يُجلد ذاته تحت وهم أنه يستطيع النجاة إن “أصلح نفسه”. وهذا ما نبّه إليه ميشيل فوكو بحدة في المراقبة والمعاقبة: “المجتمع الحديث لا يُلقي باللوم على الظلم، بل على الكسل الفردي، وكأن الفشل مرض أخلاقي.” وهكذا يصبح الإنسان ذاته هو جلاده.

إقرأ المزيد:  الذاكرة والتاريخ والنسيان والعواطف: الإنسان في مواجهة الزمن

وهم النجاة الفردية لا يقتل فقط التضامن، بل يجعل الآخرين عقبة محتملة. في مجتمع يؤمن بأن “كلٌّ مسؤول عن مصيره”، تصبح الرحمة ضعفًا، والمساعدة إعاقة، والعمل الجماعي عبئًا. ويُنظر إلى الفقير أو المريض أو الفاشل لا كضحية نظام، بل ككائن “لم يجتهد بما يكفي”. هكذا تُبنى ثقافة اللامبالاة، حيث يتلذّذ الإنسان بنجاته الوهمية، بينما يسقط من حوله الآلاف. لا مكان فيها لفكرة “العدالة الجماعية”، أو “الخلاص المشترك”، لأن الجميع مشغول بـ”مشروعه الفردي للنجاة”. حنّة أرندت، في الوضع البشري، تُحذّر من تفريغ المعنى السياسي للحرية: “الحرية التي لا تُمارَس ضمن جماعة تتحول إلى استعباد خفي”. إن وهم الاستقلال التام ليس سوى قناع للانعزال التام.

لم يعد الحديث عن النجاة مجرد استعارة وجودية، بل أصبح منتجًا يُباع ويُشترى. تباع للناس كتب التنمية الذاتية، ودورات الاستثمار، وصيغ السعادة، وحيل الإنتاجية، ونصائح “العقلية الرابحة”، وكلها تعِدُهم بالنجاة. لكن الغريب أن كل هذا لا يؤدي إلا إلى مزيد من القلق، ومزيد من الشعور بالنقص، والحاجة الدائمة إلى “تحسين الذات”، وكأن الذات مشروع لم يكتمل أبدًا. وهكذا، تصبح النجاة مجرد سلعة: تشتريها ثم تكتشف أنك بحاجة إلى نسخة أحدث، فتشتري مرة أخرى، في دائرة لا تنتهي من الاستهلاك الوجودي. وقد لخّص إريك فروم هذا الانزلاق بدقة في الإنسان بين الجوهر والمظهر: “الرأسمالية لا تبيع المنتجات فقط، بل تبيع وهمًا بأن الخلاص يمكن شراؤه.”، هكذا تتحوّل النفس البشرية إلى سوق مفتوح لبيع الأمل المؤجل.

إن الفكرة الرأسمالية القائلة بأن الإنسان يمكنه أن ينجو وحده، وأنه قادر على أن يخلق معنى لوجوده من العدم، ليست سوى وهم خطير يُنتج قلقًا جماعيًا، ووحدة حادّة، وانهيارًا تدريجيًا لفكرة “الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا”. النجاة ليست مشروعًا فرديًا، بل تجربة جماعية تتطلّب التضامن، والسياسات العادلة، وإعادة الاعتبار للمجتمع، وللرحمة، وللحق الجماعي في الحياة الكريمة. فلا أحد ينجو وحده في سفينة مثقوبة. تلخص حكمة أفريقية هذه الحقيقة بسلاسة: “إذا أردت أن تذهب بسرعة، فاذهب وحدك. وإن أردت أن تذهب بعيدًا، فاذهب مع الجماعة.”، أما ألبير كامو، الذي رأى في الإنسان كائنًا متمرّدًا لا منفصلًا، فيكتب في الإنسان المتمرد: “ليس على الإنسان أن يطلب النجاة من العالم، بل أن يطلب نجاة العالم من ذاته”. إن النجاة الحقيقية تبدأ من هنا: حين ننجو معًا، أو لا ننجو أبدًا.

إقرأ المزيد:  “المتوحد والنابتة”.. فلسفة ابن باجة بين المدينة الفاضلة والواقع القائم