“إن السلطان عبد الحميد كان يهدف من سياسته الإسلامية، تجميع مسلمي العالم تحت راية واحدة، وهذا لا يعني إلا هجمة مضادة، يقوم بها المسلمون ضد هجمة العالم الغربي التي استهدفت عالم المسلمين.”
أرنولد توينبي، دراسة للتاريخ.
كيف يمكن قراءة عبد الحميد الثاني خارج ثنائية “المستبد” و”المصلح”؟ وكيف يمكن تقييم رجل دولة حكم إمبراطورية مترامية الأطراف في لحظة كان فيها النظام الدولي يعيد تشكيل العالم وفق منطق القوة الصناعية والهيمنة الاستعمارية؟ وكيف يمكن تفسير سياساته دون الوقوع في أحكام أخلاقية سريعة تتجاهل شروط عصره، وتوازنات القوى الكبرى، وتصدّع البنية الداخلية للدولة العثمانية؟ ثم كيف أمكن لسلطانٍ أن يجمع بين مشروع تحديث إداري وتعليمي واسع، وبين سياسة أمنية صارمة، وأن يُدان تاريخيًا في الغالب من خلال صورة واحدة تُقصي كل ما عداها؟ يمثل عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876–1909) مرحلة مفصلية في التاريخ السلطنة العثمانية الحديث، لأن الدولة في زمنه واجهت ضغطًا مركبًا: توسعًا إمبرياليًا أوروبيًا، تصاعدًا للقوميات في البلقان، أزمة مالية خانقة، وتوترًا داخليًا بين مشروع الإصلاح الدستوري وبين خوف النخب الحاكمة من تفكك الإمبراطورية. هذا السياق يجعل دراسة عبد الحميد ضرورة لفهم آليات “الدولة المهددة” أكثر من كونه موضوعًا لسيرة فردية، لأن شخصيته السياسية تشكلت داخل منطق البقاء، ومن داخل إدراك حاد بأن الدولة لم تعد قادرة على الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى دون خسائر استراتيجية.
تولّى عبد الحميد الحكم في سنة 1876 في ظرف شديد الاضطراب، تزامن مع إعلان الدستور العثماني الأول في السنة نفسها. لكن هذه اللحظة الدستورية لم تتطور إلى نظام سياسي مستقر، بسبب اندلاع الحرب الروسية العثمانية (1877–1878) وما ترتب عنها من نتائج كارثية. فقد فرضت روسيا على الدولة معاهدة سان ستيفانو، ثم أعيدت صياغة التوازنات في مؤتمر برلين سنة 1878. هذا المؤتمر، الذي مثّل لحظة مركزية في تقليص النفوذ العثماني في أوروبا، حيث كرّس استقلال كيانات في البلقان، وفتح الباب أمام ترتيبات دولية جعلت الولايات العثمانية مناطق تنازع بين الإمبراطوريات الأوروبية. في هذا المناخ، اتخذ عبد الحميد قرار تعليق الدستور سنة 1878، وهو قرار ظل محورًا للنقد السياسي ضده، غير أن قراءته في سياقه التاريخي تبرز كاستجابة لتهديد وجودي رآه السلطان مرتبطًا بتفكك الدولة تحت ضغط الحرب والانفصال القومي والتدخل الأوروبي.
إن فهم سياسة عبد الحميد يقتضي التعامل مع مفهوم “العقل السياسي” في زمن الانحسار الإمبراطوري. حيث أن الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر لم تكن تواجه معارضة داخلية فحسب، بل كانت تواجه نمطًا من التدخل الأوروبي قائمًا على أدوات متعددة: الامتيازات الأجنبية، القروض، التحكم في التجارة، الضغط الدبلوماسي عبر خطاب الأقليات، وتوظيف الصحافة الأوروبية في تشكيل صورة الدولة. وهكذا، برزت استراتيجية عبد الحميد القائمة على المناورة بين القوى الكبرى، وتفادي الاصطفاف الحاسم مع طرف واحد، وبناء شبكة علاقات تسمح بتقليل الخسائر. وقد لخّص المؤرخ برنارد لويس جانبًا من هذه القدرة، إذ يقول: “كان عبد الحميد حاكمًا شديد الحذر، بارعًا في الدبلوماسية، وقد نجح لسنوات طويلة في الحفاظ على توازن بين القوى الأوروبية” (Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey). هذه العبارة، على الرغم من أنها لا تمنح حكمًا نهائيًا على الرجل، تؤكد أن سياسة السلطان لم تكن انفعالية، بقدر ما كانت مشدودة إلى تقدير واقعي لموازين القوة.
ضمن هذه السياسة الواقعية، اشتغل عبد الحميد على مسارين متوازيين: تحديث إداري وتعليمي، وتشديد أمني واسع. فمن جهة، شهدت الدولة توسعًا في المدارس الحديثة، وتطورًا في التعليم العسكري والطبي، وتوسيعًا في البيروقراطية المركزية، وتحديثًا في وسائل الاتصال كشبكات البرق (تلغراف)، وتحسينًا في بعض البنى التحتية. ومن جهة ثانية، شهد عهده تضخمًا في جهاز الرقابة، واتساعًا في شبكة الاستخبارات، وتشددًا في مراقبة الصحافة والجمعيات السياسية. هذا التوازي يفسر طبيعة الحكم الحميدي بوصفه نموذجًا لدولة تحاول بناء أدوات الحداثة الإدارية دون السماح بتحول المجال السياسي إلى فضاء مفتوح قد يسرّع التفكك. وهو ما يضعنا أمام سؤال فلسفي شديد الأهمية: هل يمكن لعملية التحديث أن تتم دون انفتاح سياسي؟ وهل يمكن لدولة متعددة الأعراق أن تسمح بتعدد سياسي واسع في عصر القوميات دون أن تتحول إلى كتل انفصالية؟
في هذا الإطار، يبرز مشروع “الجامعة الإسلامية” كأحد أعمدة سياسة عبد الحميد الرمزية والاستراتيجية. حيث أن السلطان أدرك أن الدولة العثمانية، في ميزان القوة العسكرية والاقتصادية، أصبحت أضعف من منافسيها الأوروبيين كالرجل المريض، وأنها تحتاج إلى رأس مال معنوي عالمي يعيد ترتيب موازين النفوذ. لذلك عمل على تفعيل مكانة الخلافة في المجال الإسلامي، وتعزيز ارتباط المسلمين خارج حدود الدولة العثمانية بإسطنبول، خصوصًا في الهند وآسيا الوسطى وشمال إفريقيا. وقد رأى كثير من الباحثين أن هذه السياسة كانت تقلق بريطانيا وفرنسا وروسيا، لأن تأثير الخلافة في المجتمعات المسلمة كان قادرًا على خلق ضغط سياسي ومعنوي على الإمبراطوريات الاستعمارية. ويشير فِروز أحمد إلى أن الخلافة في أواخر العهد العثماني تحولت إلى عنصر مهم في السياسة الدولية، خصوصًا مع ازدياد حضور المسلمين داخل الإمبراطوريات الأوروبية (Feroz Ahmad, The Making of Modern Turkey).
ومن أبرز المشاريع التي جسّدت هذه الرؤية مشروع سكة حديد الحجاز (بدأ 1900 وافتتح جزء كبير منه 1908). حمل هذا المشروع وظيفة لوجيستيكية واضحة، لكنه حمل أيضًا وظيفة سياسية ودينية، تتعلق بتقوية حضور الدولة في الحجاز، وربط المركز بالأطراف، وتسهيل الحج، وتقديم صورة دولة قادرة على توظيف التقنية الحديثة في خدمة المجال الإسلامي. وقد كتب ستانفورد شو عن هذا المشروع بوصفه واحدًا من أكثر المشاريع الرمزية في عهد عبد الحميد، وأنه كان ممولًا إلى حد كبير عبر تبرعات المسلمين من أنحاء مختلفة، وهو ما أعطاه بعدًا يتجاوز الاقتصاد إلى بناء شعور سياسي جامع (Stanford J. Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey). لكن مشروع عبد الحميد لم يكن يتحرك في فراغ، بل داخل بنية دولية كانت تسعى إلى تقليص الإمبراطورية تدريجيًا. فقد احتلت بريطانيا مصر سنة 1882، وفرضت فرنسا الحماية على تونس سنة 1881، واستمرت روسيا في الضغط شرقًا، وتزايدت النزاعات القومية في البلقان، وتعمق نفوذ القوى الأوروبية في الاقتصاد العثماني عبر الدين العام وإدارة الديون. هذه الوقائع جعلت الدولة العثمانية، في عهد عبد الحميد، محاصرةً اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما يفسر ميله إلى الحذر الشديد في الدخول في الحروب، وإلى إدارة الأزمة عبر التأجيل، لأن الحرب في ظل التفوق الأوروبي كانت تعني خسارة مؤكدة.
هذا الحذر نفسه هو ما جعل خصومه يصفونه بالاستبداد، لأنهم رأوا أن تعطيل الدستور والرقابة الأمنية يمثلان قطيعة مع حلم الإصلاح الدستوري. غير أن المفارقة التاريخية أن القوى التي أسقطته لاحقًا لم تنتج نظامًا ديمقراطيًا مستقرًا بالمعنى الحديث، بل دخلت الدولة في صراعات أكثر عنفًا، وانتهت إلى انهيار شامل بعد الحرب العالمية الأولى. هذه المفارقة تفتح بابًا لتأمل فلسفي حول علاقة “الحرية السياسية” بـ “قدرة الدولة على البقاء” في ظروف التفكك، وحول سؤال ما إذا كانت الحرية في سياق انهيار الإمبراطوريات تُنتج بناءً جديدًا، أم تُسرّع الانهيار قبل اكتمال شروط التحول.
إن تقييم عبد الحميد يتعقد أكثر عند النظر إلى ثورة الاتحاد والترقي سنة 1908، ثم عزله سنة 1909. فقد قدم الاتحاديون أنفسهم باعتبارهم ممثلين للدستور والحرية، وأعادوا العمل بالدستور، ثم سيطروا على الدولة تدريجيًا. لكن التجربة الاتحادية انتهت إلى مركزية حادة، وإلى توترات قومية متصاعدة، ثم إلى دخول الحرب العالمية الأولى. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الاتحاديين ورثوا كثيرًا من أدوات الدولة الحميدية، خاصة في الإدارة والأمن، ثم استخدموها في اتجاه مختلف. وهذا يعني أن “الدولة الحديثة” التي تأسست في تلك الفترة لم تكن قطيعة كاملة مع العهد الحميدي، بقدر ما كانت استمرارًا في أدوات الحكم، مع تغير في الخطاب السياسي.
أما على مستوى الصورة التاريخية، فإن عبد الحميد وقع ضحية حرب سرديات متعددة. حيث أن الدعاية الأوروبية في عصره ساهمت في تكوين صورة نمطية عنه، خصوصًا في سياق أحداث العنف ضد الأرمن في تسعينيات القرن التاسع عشر. وقد استُخدمت هذه الأحداث في الخطاب السياسي الأوروبي لتبرير الضغط على الدولة العثمانية، كما استُخدمت في الداخل لتقوية خطاب خصوم السلطان. وفي المقابل، حاول أنصاره لاحقًا تقديمه كرمز مقاومة للاستعمار وحارس للخلافة. بين هذين القطبين، تتراجع القراءة التاريخية التي تضعه داخل سياق أزمة إمبراطورية شاملة. في مذكراته، يقدّم عبد الحميد صورة ذاتية لحكمه تتسم بنبرة دفاعية، لكنها تحمل وعيًا واضحًا بطبيعة التهديد. ومن أشهر ما ورد فيها قوله: “كنتُ سلطانًا على إمبراطوريةٍ تهاجمها الدول الكبرى من كل جانب، وكل واحدة منها تريد قطعة منها” (مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني). هذه العبارة لا تُقرأ كمرافعة شخصية فقط، وإنما تُقرأ كتشخيص لموقع الدولة العثمانية داخل نظام عالمي توسعي. فالدولة لم تكن تواجه خصمًا واحدًا، بل كانت تواجه شبكة مصالح دولية، وكل طرف منها يملك وسائل ضغط متنوعة.
وتظهر نبرة حزينة أخرى في قوله: “لا أخاف على الدولة من أعدائها، أخاف عليها من أبنائها” (مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني). وهي عبارة تعكس تصورًا سياسيًا يعتبر أن التفكك الداخلي أخطر من العدوان الخارجي، لأن الخارج لا يستطيع ابتلاع دولة متماسكة بسهولة، في حين أن الداخل حين ينقسم يتحول إلى بوابة للاختراق. هذه الفكرة تفسر تشدد عبد الحميد في مراقبة الجمعيات السياسية والضباط والطلاب، لأنها كانت في نظره حوامل محتملة للانقلاب أو للانقسام القومي.
ومن الناحية الفلسفية، يمكن ربط هذه الرؤية بمفهوم “الدولة ككيان سيادي” في الفكر السياسي الحديث، حيث تصبح السيادة مهددة حين تتنازعها ولاءات متعددة: ولاء قومي، ولاء ديني، ولاء جهوي، ولاء للنخب المتغربة، ولاء للامتيازات الأجنبية. وقد عاش عبد الحميد في قلب هذا التنازع. لذلك حاول إعادة بناء شرعية جامعة عبر الخلافة، وفي الوقت ذاته حاول تعزيز المركزية عبر الإدارة الحديثة. غير أن هذه المحاولة اصطدمت بحدود الواقع: فالقوميات في البلقان كانت قد دخلت مرحلة لا رجعة فيها، والاقتصاد العثماني كان مكبلًا بالدين العام والامتيازات الأوربية، والجيش كان يعاني اختلالات بنيوية، والنخب الجديدة كانت تتبنى خطابًا دستوريًا راديكاليًا.
من هذه الزاوية، تبدو “مظلومية” عبد الحميد جزءًا من مظلومية الدولة العثمانية نفسها في القرن التاسع عشر. لأن الرجل لم يصنع كل أسباب الانحدار، وإنما ورثها وتعايش معها وحاول إدارتها. كما أن نقده بمعزل عن شروط عصره يوقع في قراءة أخلاقية تختزل التاريخ في شخص واحد، مع أن التاريخ السياسي، خصوصًا في زمن الانهيارات الكبرى، يُصنع عبر بنى ممتدة: الاقتصاد العالمي، التوازنات العسكرية، التحولات الفكرية، صعود القوميات، وتبدل أنماط الشرعية. وهكذا، يمثل عبد الحميد الثاني نموذجًا تاريخيًا لفكرة الدولة التي تحاول الدفاع عن وجودها عبر مزيج من الإصلاح والضبط، عبر التعليم والرقابة، عبر التقنية والرمز، عبر الدبلوماسية والسرية. وهو نموذج يطرح سؤالًا فلسفيًا لا ينتهي: هل يمكن للدولة أن تنجو حين تتأخر في الحداثة الاقتصادية والعسكرية؟ وهل يمكن لحاكمٍ أن يصنع معجزة سياسية في زمن كانت فيه الإمبراطوريات القديمة تتساقط واحدة بعد أخرى؟ ثم ما الذي يبقى من عبد الحميد بعد كل هذا الجدل؟
في الأخير، يبقى من سيرة السلطان عبد الحميد الثاني، قبل كل شيء، درسٌ تاريخي في صعوبة الحكم في زمن الانكسار، ودرسٌ فلسفي في أن السياسة لا تُقاس دائمًا بمثالياتها، بل أحيانًا بقدرتها على منع الأسوأ. ويبقى منه أيضًا معنى رمزي في الذاكرة الإسلامية الحديثة، باعتباره آخر سلطان حاول توظيف الخلافة كقوة عالمية ضد الاستعمار، وآخر من أدرك أن المعركة لم تعد معركة سيوف فقط، بل معركة تعليم، وبنية، وصورة، وشبكات نفوذ. وفي هذا الصدد، فإن “المظلومية” في سيرة السلطان عبد الحميد لا تعد توصيفًا عاطفيًا فحسب، بل توصيفًا لوعي تاريخي يرى أن الرجل حوكم غالبًا خارج شروط عصره، وأن صورته تشكلت بين دعاية خصومه ومبالغات أنصاره، بينما الحقيقة التاريخية تسكن منطقة أكثر تعقيدًا، حيث يتجاور النجاح والإخفاق، والحكمة والخطأ، والإصلاح والقبضة الأمنية، في سيرة سلطان عاش داخل مأساة إمبراطورية تتداعى. في أخير المطاف، نختم بمقاله اللغوي السوري سعيد الأفغاني:”رحم الله عبد الحميد. لم يكن في مستواه وزراء، ولا أعوان ولا شعب. لقد سبق زمنه. وكان في كفايته ودرايته وسياسته وبعد نظره، بحيث استطاع وحده بدهائه وتصرفه مع الدول، تأجيل انقراض الدولة ثلث قرن من الزمان. ولو وجد الأعوان الأكفياء والأمة التي تفهم عنه لترك للدولة بناء من الطراز الأول”.









اترك تعليقاً