“إنّ سرَّ سعادة الإنسان لا يكمن في طلب المزيد، بل في القدرة على الاكتفاء بالقليل.”
ليو تولستوي
أيُّ معنى نرجوه من حياةٍ تتقدّم بسرعة ثم تتركنا فجأة على حافة سؤالٍ لا يرحم؟ ومن الذي يملك حقَّ تعريف هذا المعنى: الإنسان أم القدر أم الله؟ وهل يولد المعنى من الرفاه والنجاح أم من الجوع والخسارة والألم؟ ولماذا يحسّ بعض الناس بامتلاءٍ داخلي وهم لا يملكون إلا القليل، بينما يغرق آخرون في فراغٍ خانق وسط المال والجاه والسلطة؟ هذه الأسئلة تعود بقوة حينما نقف أمام قصة تولستوي الخالدة “علام يعيش الإنسان؟” التي نشرت سنة 1885، التي صاغها الكاتب الروسي ليو تولستوي ضمن مجموعته القصصية التي حملت الاسم نفسه، وضمّت أعمالًا أخرى مثل “الأسئلة الثلاثة” و”كم يحتاج الرجل من فدّان؟”. وقد أشار إليها ألكسندر سولجنيتسين في روايته “جناح السرطان”، وتعدّدت ترجمتها العربية بين “بما يعيش الناس” و”كلمات ثلاثة”. ومع اختلاف العناوين، يبقى الجوهر واحد: رحلة إنسانية تتخفّى داخلها فلسفة كاملة عن المعنى، وعن الإنسان حين يتعرّى من أوهامه.
تقوم القصة على ثلاثة أسماء تشكّل مثلث المعنى: سيمون صانع الأحذية الفقير، ماترينا زوجته التي تجمع بين الصرامة الأولى والرحمة التي تشتعل في بعض الفترات، ومايكل الكائن الغريب الذي يتّضح في النهاية أنه ملاك مطرود من الملكوت الألهي، بسبب عصيانه لأوامر الله، وعاقبه الله عقابا فريدا من نوعه، إذ قضي عليه بأن ينزل إلى الأرض الدنيا إنسانا منزوع الجناحين، على ألا يعود حتى يجد الأجوبة على ثلاثة أسئلة هي: ما الذي منحه الإنسان؟ وما الذي منعه الإنسان؟ وعلام يحيا الإنسان؟. يخرج سيمون في يوم شتوي قاسٍ بحثًا عن المال الذي يدين به لزبائنه، كي يشتري جلد الخراف لصناعة معطف يقيه وزوجته برد موسكو. لكنه يعود خائبًا، لا يحمل إلا عشرين كوبكًا (عملة معدنية متداولة في روسيا)، فيقع في لحظة ضعف وينفق ما معه على الخمر، ثم يقرر أن يعود إلى بيته محاولًا إقناع نفسه أنه قادر على احتمال البرد. وبينما هو عائد، يمرّ بضريح عند منعطف الطريق، فيرى شيئًا باهتًا مستندًا إلى الجدار: رجل عارٍ مهدود، كأن الشتاء التهم جسده وبقيت الروح تتعلّق بخيط أخير.
في البدء يتردد سيمون، يهاجمه الخوف والشك، ثم ينهزم أمام روحه الطيبة: يشعر بالخجل من نفسه، ويعود لينقذ الغريب. يخلع بعض ثيابه ويكسوه، ويمنحه زوج النعال الذي كان يحمله لزبون، ثم يسنده على كتفه ويأخذه إلى البيت. كان الغريب لا يتكلم إلا بجملتين: “لا أستطيع أن أجيب” و”لقد عاقبني ربي”. وكأن تولستوي يريد منذ اللحظة الأولى أن يجعل الصمت جزءًا من المعنى، وأن يجعل الألم لغةً سابقة على الكلام. في البيت، كانت زوجته ماترينا تفكر في الخبز القليل الذي بقي لديهم، وكانت مترددة في العجن لندرة الدقيق. وحينما رأت زوجها يعود مخمورًا ومعه غريب يرتدي ثياب سيمون نفسها، تثور وتصرخ وتوبّخ، ثم تهدأ شيئًا فشيئًا، وتدعوهما إلى الطعام. وما إن ترى الغريب يأكل بشراهة من الخبز اليابس حتى تتحرك الرحمة في داخلها، ويظهر أثر الشفقة في عينيها، ولوهلة يبتسم مايكل لأول مرة. هنا تقع أول عتبة فلسفية في القصة: المعنى لا يخرج من المواعظ والخطابات الرنانة، بل من التحول الداخلي الذي يوقظ الخير في النفس البشرية لكي يساعد غيره.
في صباح اليوم التالي، يسأل سيمون الغريب عن اسمه فيقول: “مايكل”. ثم يعرض عليه العمل معه في صناعة الأحذية مقابل القوت والمبيت. يوافق مايكل ويصير مساعدًا أمينًا، صامتًا، دقيقًا، كأنه يتعلم عن الإنسان من الداخل: كيف يربح قوت يومه (الخبز) بيده، وكيف ينظر إلى الوجوه التي تمر عليه، وكيف يفهم الحياة من خلال تفاصيلها اليومية. تمر الأيام، ثم يأتي رجل من طبقة النبلاء، فظّ قاسٍ، يطلب حذاء من جلد غليظ، ويهدد سيمون إن لم يصنعه على شروط صارمة سيعاقبه. حينما يلتفت سيمون إلى مايكل ليباشر العمل، يحدّق مايكل من خلف كتفي النبيل ويبتسم للمرة الثانية. ثم يصنع خفًّا بدل الحذاء المطلوب. يغضب سيمون ويعدّ ذلك حماقة، غير أنّ خادم النبيل يصل في اللحظة نفسها ليخبرهما أن الرجل مات قبل مغيب الشمس، وأنهم يحتاجون خفًّا لتشييعه. هنا تتفتح الطبقة الثانية من فلسفة القصة: الإنسان يخطط كما لو أنّ الزمن ملكه، ويطلب كما لو أنّ الحياة ستؤجل نهايتها احترامًا لرغباته. لكن الموت لا يفاوض، ولا ينتظر. والغاية الكبرى التي يجهلها الإنسان ليست نهاية حياته فحسب، بل قيمة ما يطلبه، وحقيقة ما يركض خلفه.
تمضي ست سنوات، وتأتي امرأة مع ابنتين، إحداهما مقعدة. تطلب ثلاثة أحذية متشابهة، واحد لها ولأبنتها السليمة وحذاء خاص للإبنتها المصابة. يتأمل مايكل الفتاتين ويبتسم للمرة الثالثة. يسأل سيمون المرأة عن قصتهما، فتقول إنها ليست أمهما، وإن الأم ماتت على فراشها وسحقت ساق إحدى الطفلتين عرضًا، ثم عجزت هذه المرأة عن تركهما في الميتم فتبنتهما وربتهما. بعد خروجهن، يقترب مايكل من سيمون ويخبره أن الرب قد غفر له. وفي لحظة وداع تتفتح الهالة النورانية حوله، وتعود أجنحته، لكي يصعد إلى الملكوت الأعلى وكان سيمون مستغرباُ مما يقع. لكن قبل ذلك، سأله سيمون عن سر ابتساماته الثلاث، فيكشف مايكل حقيقة قصته: أُمر بقبض روح امرأة، غير أنّه رقّ لحالها حين توسلت إليه أن تبقى لأجل أطفالها، فعصى الأمر. فعوقب بأن ينزل إلى الأرض إنسانًا حتى يجد أجوبة ثلاثة أسئلة: ما الذي مُنِحَه الإنسان؟ ما الذي مُنِعَه الإنسان؟ وعلام يعيش الإنسان؟
ويقول مايكل إنه عرف جواب السؤال الأول حين رأى الرحمة في وجه زوجته ماترينا: ما مُنِحَه الإنسان هو الحب. وعرف جواب السؤال الثاني حين رأى الموت واقفًا وراء النبيل الذي كان يخطط للسنة القادمة: ما مُنِعَه الإنسان هو معرفة ما يحتاجه حقًا، ومعرفة مصيره، ومعرفة غاياته في الزمن. ثم عرف جواب السؤال الثالث حين رأى المرأة التي تبنّت الطفلتين: الإنسان يعيش بحب الآخرين، لا بحب نفسه. ويختم مايكل بجملة ذات دلالة روحية عميقة: “كل من يحب كان في معية الرب وكان الرب معه لأن الرب محبة”. من هنا يبدأ السؤال الفلسفي الكبير: من الذي يجعل لحياتنا معنى؟
إن المعنى في هذه القصة لا يأتي على هيئة تعريف منطقي، ولا يظهر في خطاب فلسفي جاف، وإنما يولد داخل مشاهد متتابعة: رغيف خبز، ثوب ممزق، زوج نعال، دفء بيت فقير، دمعة رحمة، ثم يد تمتد لإنقاذ غريب. وكأن تولستوي يقول إن الحياة لا تحتاج إلى تفسير طويل بقدر ما تحتاج إلى قلبٍ حيّ، وأن المعنى لا يقيم في الأفكار وحدها، بل في طريقة عيش الأفكار. حينما مدّ سيمون يده لمايكل، كان في لحظة ضعف وخيبة، وقد عاد من يوم خاسر، وهو مثقل بالخمر وبالقلق وبالفقر. ومع ذلك، انتصر في داخله شيءٌ أعظم من الفقر: انتصر الإنسان. وفي هذا الإطار، تظهر الحقيقة الأولى: معنى الحياة لا يقدّمه لنا النجاح، وإنما يقدّمه لنا اختبار الرحمة. ففي لحظة العطاء، يتحول الإنسان من كائن يطلب إلى كائن يمنح، ومن ذاتٍ تدور حول نفسها إلى روح تفتح نافذة للآخرين. إذن، الذي يجعل لحياتنا معنى هو قدرتنا على كسر الحلقة المغلقة التي تدور فيها الذات. الإنسان حين يعيش لنفسه وحدها يصبح سجينًا لأفكاره، ثم سجينًا لرغباته، ثم سجينًا لخوفه. وحين يعيش للآخرين يتحول إلى كائن ذي رسالة، لا لأن الرسالة تمنحه سلطة، بل لأنها تمنحه اتجاهًا. الاتجاه هو الذي يخلق المعنى، لكن معنى الاتجاه هنا لا يساوي الاندفاع الأعمى، ولا يساوي التضحية التي تدمّر الذات، وإنما يساوي ترتيب القيم داخل النفس: أن يرى الإنسان أن قيمة وجوده تتجاوز رفاهيته الشخصية، وأن حياته ليست مشروع استهلاك، بل مشروع أثر.
أما السؤال الثاني الذي تطرحه القصة عبر حادثة النبيل، فيتعلق بجذر الوهم الإنساني: الإنسان يخطط كما لو أنه خالد، ويؤجل الخير كما لو أن الزمن مضمون، ويتكبر كما لو أن العالم ملكٌ له. غير أن الموت يكشف الحقيقة: كل ما لا يتحول إلى أثر أخلاقي يتحول إلى عبء على صاحبه. فالثري الذي يطلب حذاء لا ينثني ولا يتشقق، يموت قبل أن يلبسه. فتسقط الفكرة أمام العين: ما قيمة الرغبة حين تنفصل عن الحكمة؟ وما قيمة المال حين لا يشتري الرحمة ولا يفتح بابًا لنجاة الآخرين؟ هنا تتشكل الحقيقة الثانية: الذي يمنح الحياة معنى هو الحكمة التي تجعل الإنسان يرى نهاية الطريق. لأن الموت ليس فقط نهاية، بل معيار. حيث أن الإنسان الذي يتذكر الموت لا يكتئب بالضرورة، بل قد يصفو، لأن الوعي بالنهاية يجعل الاختيارات أقل تشتتًا، ويجعل القلب أقل غرورًا. ومن دون هذا الوعي، تتحول الحياة إلى سباق محموم وراء أشياء لا تستحق، ويغدو الإنسان مثل النبيل: يطلب حذاءً للعالم، ويذهب إلى القبر حافيًا.
ثم تأتي الحادثة الثالثة، وهي الأشد تأثيرًا: المرأة التي تبنّت طفلين لا علاقة دم تربطها بهما. في هذه الحادثة تظهر ذروة المعنى: الحب الذي يتجاوز النسب والمصلحة. هذا الحب يضع الإنسان في مرتبة أخلاقية عالية: أن يمنح دون انتظار مقابل، وأن يحتضن الغريب كما يحتضن القريب. في هذه اللحظة يفهم مايكل معنى السؤال الأخير: الإنسان يعيش بحب الآخرين. وهذه الجملة، على بساطتها، تحمل فلسفة وجودية كاملة: الحياة بلا حب تتحول إلى سلسلة أيام متشابهة، حتى لو امتلأت بالنجاحات. إذن، الحب هو الذي يجعل الزمن ذا قيمة، وهو الذي يمنح الألم معنى، وهو الذي يجعل التضحية ممكنة، وهو الذي يحمي الإنسان من الانهيار حين ينهار كل شيء خارجه. كما أن الذي يجعل لحياتنا معنى ليس المال، ولا السلطة، ولا الشهرة، ولا المعرفة وحدها، وإنما العلاقة: علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بالناس، وعلاقته بضميره. فحينما تكون هذه العلاقات سليمة يصبح الإنسان قادرًا على احتمال الفقر، وعلى احتمال الخسارة، وعلى احتمال الألم. وحينما تفسد هذه العلاقات يصبح الإنسان عاجزًا عن الفرح حتى لو ملك كل شيء.
ومن زاوية أعمق، تقترح القصة فكرة دقيقة: الإنسان لا يعرف ما يحتاجه حقًا. وهذا لا يعتبر نقصًا في الإنسان، بل حماية له. فلو عرف الإنسان الغيب لتشوّهت حياته: إما بالذعر، وإما بالغرور. لذلك حُجب عنه المستقبل، ليعيش بالثقة، وليتعلم أن قيمته ليست في السيطرة على النتائج، بل في صدق الفعل. وفي هذا الصدد يمكن القول إن المعنى يتشكل من ثلاث طبقات متداخلة:
- أولًا: الرحمة، لأنها تجعل الإنسان إنسانًا.
- ثانيًا: الحكمة، لأنها تجعل الإنسان يرى ما وراء الرغبة.
- ثالثًا: الحب، لأنه يجعل الإنسان قادرًا على الاستمرار.
إن قصة تولستوي تجعل الحب معيارًا للمعنى، لا ترفًا. لأن الحب في هذا السياق لا يعتبر حالة عاطفية رومانسية، بل قوة أخلاقية، قدرة على العطاء، استعداد للمساندة، وجرأة على رؤية ألم الآخر دون أن نهرب منه.
في الأخير، نكتشف أن سؤال: “من الذي يجعل لحياتنا معنى؟” يجد جوابه في فعل صغير قد لا يلتفت إليه الناس: يد تمتد في برد الشتاء، رغيف يُقسم، ثوب يُعطى، بيت يُفتح، طفل يُحتضن، فقير يُكرم، وغريب يُعامل كأخ. ذلك هو المعنى الذي تقترحه القصة:
- أن يعيش الإنسان في خدمة الخير، لا في خدمة غروره.
- أن يخرج من سجن ذاته، لا أن يزيّن ذلك السجن.
- أن يختار الرحمة، لأن الرحمة هي اللغة التي يفهمها الله في الإنسان.
وهكذا، حينما يقول مايكل إن الرب محبة، فإن القصة لا تقدّم جملة دينية فقط، بقدر ما تقدّم مبدأ فلسفيًا: من أحبّ صار أقرب إلى الحقيقة، ومن قسا صار أبعد عنها. ومن هنا يحيا الإنسان… بحب الآخرين، وبأن يكون في هذا العالم سببًا لدفءٍ ما، لا سببًا لزيادة الصقيع.









اترك تعليقاً