بين التأويل والرحمة الإلهية: كيف تُربّي قصة موسى والخضر ضمير الإنسان على الصبر وحدود المعرفة

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾

القرآن الكريم، سورة الكهف، الآية الكريمة: 68.

كيف يتكوّن الحكم الأخلاقي داخل الإنسان؟ وكيف يطمئن العقل إلى عدالة العالم وهو لا يرى سوى الشاهد القريب الذي يبدو في الظاهر “غير أخلاقي”؟ وكيف يمكن للحدث الواحد أن يبدو ظلمًا في لحظته ثم يتحول إلى رحمة في مآله المستقبلي؟ ثم من أين تأتي القسوة التي تصيب وعينا حينما نواجه واقعة لا نملك لها تفسيرًا؟ تلك الأسئلة تضعنا في قلب واحدة من أعظم القصص القرآنية التي تضمنتها سورة الكهف، وتعتبر من بين القصص ذات الكثافة الرمزية من حيث الدلالة المعرفية والأنثروبولوجية: قصة النبي موسى عليه السلام وسيدنا الخضر عليه السلام، التي لا تقدّم درسًا في الحكاية بقدر ما تقدّم درسًا في حدود الإدراك، وفي معنى الصبر، وفي الفرق بين معرفة الإنسان ومعرفة الله.

تبدأ القصة من لحظة تبدو في ظاهرها عادية: موسى عليه السلام يخطب في بني إسرائيل، فيُسأل عن أعلم الناس، فيجيب بما يراه مقتضى مقامه النبوي: أنا. لكن مقام النبوة لا يعني الإحاطة بكل شيء، لأن الإحاطة صفة إلهية خالصة. ولهذا جاء العتاب الإلهي كما في الحديث النبوي الصحيح: “إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يُرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ…”. إن هذا العتاب لا يوجَّه إلى موسى في مقام تبليغ الدين، وإنما يوجَّه إليه في مقام التربية الربانية الدقيقة: مقام تماس العلم مع الذات. لأن العلم حين لا يُرد إلى الله يتحول إلى مركزية، والمركزية تولّد غرورًا خفيًا، والغرور يغلق أبواب التعلم. ومن هنا تتشكل الرحلة بوصفها انتقالًا في المقام، من مقام المعلّم إلى مقام المتعلّم، ومن موقع اليقين إلى موقع السؤال. يقول الله سبخانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. تحمل هذه الآية معنى معرفيًا شديد الأهمية: الحقيقة لا تُنال بالتمني، وإنما تُنال بالمجاهدة. أي أن طلب العلم يقتضي السفر والتعب، لأن المعرفة التي تغيّر الإنسان لا تُمنح له وهو مستقر داخل منطقة الألفة والراحة.

ويأتي “مجمع البحرين” كرمز فلسفي بالغ العمق، لأنه يجمع بين عالمين: عالم الظاهر الذي تُقاس فيه الأشياء بموازين العقل والسبب، وعالم الغيب الذي تُدبَّر فيه المصائر بميزان القدر والحكمة العليا الإلهية. ولهذا لا يركّز النص على تحديد المكان بقدر ما يركّز على دلالته: إن موسى لا يسافر إلى نقطة جغرافية فقط، وإنما يسافر إلى نقطة تصادم بين نوعين من المعرفة. وتظهر علامة الحوت في سياق القصة كإشارة إلى أن العلم الذي يطلبه موسى لا يُنال وفق خطة بشرية محضة، وإنما وفق إشارات قدرية. لأن الحوت ينسل إلى البحر بطريقة عجيبة، ويصبح أثره سرَبًا. ثم حين يتجاوز موسى المكان الذي أُمر به يشعر بالنصب، وكأن التعب لا يظهر إلا عندما يتجاوز الإنسان موضع الحكمة التي أرادها الله له. وهذا التفصيل يحمل دلالة دقيقة: الألم أحيانًا لا ينتج عن الطريق وحده، وإنما ينتج عن الابتعاد عن الوجهة التي تليق بالإنسان.

ثم يأتي اللقاء: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. يقدّم القرآن الخضر عليه السلام على أنه “عبد” قبل أي شيء آخر، وفي ذلك إشارة إلى أن القيمة المعرفية العليا في التصور القرآني لا تنفصل عن العبودية. إن العلم الذي عند الخضر علم مؤسس على الرحمة، لأن الرحمة هنا ليست انفعالًا عاطفيًا، وإنما طريقة لفهم العالم: فهم يرى ما وراء الوقائع. ويأتي طلب موسى في أعلى درجات الأدب المعرفي: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. إن المقصود هنا لا يتعلق بتراكم المعلومات، بقدر ما يتعلق باكتساب الرشد، والرشد هو نضج في الحكم، وتوازن بين العقل والضمير، واستقامة في الرؤية. غير أن الخضر يضع الشرط الذي يصنع قلب القصة: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، ثم يعلّل ذلك تعليلًا معرفيًا: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. إن هذه الجملة تؤسس لمفهوم عميق: الصبر لا يعتبر فضيلة أخلاقية فقط، وإنما فضيلة معرفية. حيث أن العقل حين لا يملك الصورة الكاملة يضطرب، والاضطراب ينتج استعجالًا في الحكم، والاستعجال يدمّر إمكانية الفهم.

إقرأ المزيد:  “عهد الأصدقاء”.. فلسفة الأمل والوفاء في ذاكرة جيل سبيستون

في المشهد الأول، يركب موسى والخضر السفينة، ثم يقوم الخضر بخرقها: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾. هذا الفعل في ميزان موسى يساوي خطرًا مباشرًا على حياة المساكين، لذلك ينفجر سؤال موسى الأخلاقي: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾. إن رد فعل موسى يمثّل الضمير الإنساني حين يرى الشر واقعًا أمامه فيرفضه. غير أن الخضر يردّه إلى الشرط الأول: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾. وفي الحديث الصحيح ترد صورة بالغة العمق تلخّص معنى محدودية العلم الإنساني: “مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ”. هذا التشبيه يقلب تصور الإنسان عن نفسه: كل ما يراه الإنسان كاملًا داخل عقله هو قطرة أمام بحر الغيب.

ثم يأتي المشهد الثاني، وهو الأعنف في صدمة الوعي: قتل الغلام ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾. في هذا الصدد، لا يعود الأمر متعلقًا بمال أو مصلحة، وإنما يتعلق بحياة نفس بشرية. ولذلك يقول موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. إن هذا السؤال هو قلب العدالة الإنسانية. حيث أن الإنسان لا يملك أن يقبل القتل دون سبب ظاهر، لأن الظاهر هو المجال الذي يتحرك فيه التشريع. ومع ذلك يكشف التأويل في نهاية القصة عن أفق لا يراه موسى في لحظة الصدمة: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. هنا تظهر الفكرة الفلسفية الأخطر: الإنسان يحاكم الحاضر، بينما القدر يقرأ المستقبل. ومع ذلك تحسم القصة نقطة شديدة الحساسية: هذا النوع من الفعل لا يحق لأحد أن يتخذه ذريعة في الواقع البشري، لأن الخضر نفسه يضع حدًا قاطعًا حينما يقول في ختام التأويل: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾. أي أن ما جرى لم يكن اجتهادًا بشريًا، وإنما تنفيذ لأمر إلهي في نطاق علم مخصوص “الغيب”.

ويأتي المشهد الثالث ليختبر مفهوم الاستحقاق الأخلاقي. حيث يصل موسى والخضر إلى قرية، يطلبان الطعام، فيُرفض إكرامهما: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾. ثم يجدان جدارًا يكاد يسقط، فيقيمه الخضر: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. في هذه الحادثة موسى لا يحتج على فعل الخير، وإنما يحتج على منطق توزيع الخير: لماذا يُحسن إلى قوم منعوا الإحسان؟ فيقول: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهُ أَجْرًا﴾. لكن التأويل يكشف أن الجدار لم يكن جدار أهل القرية، وإنما كان جدارًا لغلامين يتيمين، تحته كنز لهما، وأن حفظه ارتبط بصلاح الأب: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. هنا تبرز فلسفة الزمن الأخلاقي في التصور القرآني: العمل الصالح لا ينتهي عند صاحبه، وإنما يمتد أثره إلى من بعده. وكأن الصلاح يتحول إلى ضمانة غيبية تحفظ الضعفاء حينما يعجز الواقع عن حمايتهم.

إقرأ المزيد:  التاريخ والأدب: جدل الذاكرة والسرد في بناء المعنى الإنساني

وعند نقطة الفراق يقول الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾، ثم يشرح التأويل. وفي الحديث الصحيح تظهر حسرة النبي ﷺ بوصفها توقًا معرفيًا، إذ يقول: “وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا”. إن هذه الحسرة تكشف طبيعة الإنسان: إنه يريد أن يعرف أكثر، يريد أن يرى الغيب، يريد أن يتأكد أن العالم عادل في التدبير الرباني. غير أن القصة تقرر أن الحياة مبنية على الغيب، وأن الإنسان لا يُطلب منه أن يملك الصورة الكاملة، وإنما يُطلب منه أن يحسن الفعل ضمن ما يراه، وأن يتواضع حين لا يرى المستقبل. إن قصة موسى والخضر تعيد بناء مفهوم المعرفة ذاته. فهي لا تقول إن الإنسان جاهل فحسب، وإنما تقول إن الإنسان قد يظلم الواقع حين يفسّره بسرعة. لأن التفسير السريع يولد أحكامًا سريعة، والأحكام السريعة تولد قسوة، والقسوة تولد انكسارًا داخليًا حين ينكشف لاحقًا أن الأمر كان رحمة. ولهذا تبدو القصة كأنها تعليم فلسفي للإنسان المعاصر أيضًا، الذي يعيش في زمن يطالب بالنتائج الفورية، ويخشى الغموض، ويعتبر التأخير فشلًا، مع أن كثيرًا من التأخير يحمل حماية، وكثيرًا من الخسارة يحمل نجاة. ويمكن تلخيص الدروس المستفادة من القصة في النقاط الآتية:

  • الصبر نتيجة مباشرة لعمق الخبرة، وكلما قلّت الإحاطة ضاق احتمال الإنسان.
  • الإنسان يحاكم الحدث من سطحه، بينما القدر يتحرك وفق المآلات الغيبية.
  • الضرر الجزئي قد يصير حماية من ظلم أكبر كما في خرق السفينة.
  • بعض المصائب تحمل وظيفة رحيمة لا تظهر في لحظتها.
  • الحكمة ليست دائمًا ما يرضي النفس، وإنما ما يحفظها من انهيار قادم.
  • الإيمان يعيد ترتيب العقل داخل حدوده، ويمنحه تواضعًا يمنع الغرور.
  • صلاح الآباء قد يصير حماية للأبناء عبر الزمن كما في قصة الجدار.
  • العطاء الحقيقي لا يرتبط بتصفيق المجتمع، وإنما بصدق الفعل.
  • القصة تمنع تحويل “أفعال الخضر” إلى تبرير أخلاقي لأي عنف بشري، لأن مصدرها أمر إلهي مخصوص.
  • المعرفة الحقيقية تهذيب لطريقة الحكم على الأشياء قبل أن تكون تراكمًا للمعلومات.
  • الإنسان لا يُحاسب على جهله بالغيب، وإنما يُحاسب على عدله فيما يعلم.
  • المعنى يتشكل حين يتعلم الإنسان أن وراء الألم حكمة، ووراء الحكمة رحمة، ووراء الرحمة حب.

في الأخير، تنتهي القصة بدرس جامع: أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، وإنما هو انضباط في الحكم، وتأجيل للاتهام، وتربية للعقل على قبول حدود رؤيته. وأن الإنسان حين يعترف بأن علمه قطرة أمام بحر المعرفة الإلهية، يتحرر من وهم السيطرة، ويقترب من معنى الإيمان باعتباره ثقة عقلانية في حكمة أعلى. وبهذا، تغدو قصة موسى والخضر نصًا تأسيسيًا في فلسفة المعرفة الإسلامية: نصًا يضع العقل في مكانه، ويرفع الأخلاق إلى مقامها، ويعلّم الإنسان أن ما يراه في اللحظة قد يكون قناعًا لحقيقة أكبر، وأن الحقيقة لا تُختزل في المشهد، لأن وراء المشهد تأويلًا، ووراء التأويل رحمة، ووراء الرحمة حكمة لا يحيط بها إلا الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *