رسائل النبي ﷺ إلى عروش العالم: دعوة التوحيد في ميزان السياسة والحضارة

(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)

 القرآن الكريم، سورة النحل، الآية: 125.

كيف تحوّلت دولة ناشئة في المدينة إلى مخاطِبٍ لأعظم إمبراطوريات عصرها؟ أي يقينٍ هذا الذي يدفع قائدًا محاطًا بالتحديات إلى أن يكاتب هرقل وكسرى والنجاشي والمقوقس؟ وأي رسالة تلك التي خرجت من جزيرة العرب لتحاور العالم بلغة التوحيد والعدل والطمأنينة؟ بعد صلح الحديبية (ذو القعدة 6 هـ / مارس 628 م)، واستقرار الجبهة الداخلية، وانكشاف قوة المسلمين في شبه الجزيرة العربية، اتجهت الدعوة إلى أفق أوسع. هذه المرحلة الجديدة عبّرت عن انتقال من تثبيت الكيان السياسي للأمة الإسلامية إلى مخاطبة العالم. حيث أن الدولة التي صمدت أمام التحديات الداخلية والخارجية أصبحت تمتلك ثقة الرسالة، وثبات الفكرة، ورؤية تتجاوز حدود الجغرافيا. كما أنها لم تُحصر الدعوة في نطاق ضيق، لأن مضمونها موجه إلى الإنسان حيثما كان، يخاطب فطرته، ويعيد ترتيب علاقته بربه وبالسلطة وبالتاريخ.

روى الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه: “أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كتبَ قبلَ موتِهِ إلى كِسرَى، وإلى قيصرَ، وإلى النَّجاشيِّ، وإلى كلِّ جبَّارٍ يَدعوهم إلى اللَّهِ، وليسَ النَّجاشيُّ الَّذي صلَّى عليهِ”. هذا النص يكشف أفقًا رساليًا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة؛ فالتعبير بـ”كل جبار” يدل على أن الدعوة لم تُوجَّه إلى أسماء بعينها فحسب، وإنما إلى كل بنية سلطة تتصدر المشهد وتتحكم في مصائر الناس. إنها مواجهة فكرية مع مركزية القوة في العالم القديم، وإعلان أن السيادة العليا لله وحده، وأن الملوك ـ مهما عظمت عروشهم ـ بشر مخاطَبون بالتكليف الإلهي. في هذا الامتداد تتجلى عالمية الإسلام؛ دعوة لا تنحصر في شعب أو إقليم، وإنما تخاطب الضمير الإنساني في أعلى هرم السلطة كما تخاطبه في عامة الناس، فتساوي بين الراعي والرعية أمام خطاب السماء، وتحوّل مفهوم الحكم من امتياز مطلق إلى أمانة خاضعة لمعيار التوحيد والعدل.

لقد أُرسل النبي ﷺ رسالة إلى هرقل عبر دحية الكلبي رضي الله عنه، وجاء فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت عليك إثم الأريسيِّين، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). إن هذه الرسالة تجمع بين الاحترام والوضوح. كما يعرّف المرسِل بنفسه بصفته “عبد الله ورسوله”، في تأكيد أن مصدر السلطة في الإسلام وحيٌ لا نسب ولا سيف. ويعرض على هرقل أنه إذا استجاب له أجره مرتين”، في إشارة إلى مكانته الدينية، وتحفيزًا له على أن يكون أول من يفتح لقومه باب الهداية. وقد أظهر هرقل اهتمامًا بالرسالة، وسأل عن أحوال النبي ﷺ، ثم قال لأبي سفيان:”.. إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه”. تكشف هذه العبارة على إدراكًا داخليًا بصدق الدعوة، وتدل على أن الرسالة وصلت إلى العقل قبل أن تعترضها حسابات السياسة.

إقرأ المزيد:  “التفكير ضد هيغل”.. الفلسفة بوصفها مقاومة للنسق الكلّي

وقد وجاء في الرسالة إلى النجاشي: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس، السلام المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، فحملت به، فخلقه من روحه، ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى”. هذه الرسالة تتجه مباشرة إلى تصحيح المفهوم العقدي حول عيسى عليه السلام، مع إظهار الاحترام لشخصيته ومكانته. كما يحمل الأسلوب خطابًا هادئًا عميقًا، يربط بين العقيدة الإسلامية والإيمان بالأنبياء جميعًا، ويؤسس لأرضية مشتركة تقوم على التوحيد. وأيضاً إكرام النجاشي للرسالة يعكس أثر الحكمة في الخطاب، ويبيّن أن الكلمة حين تُعرض بصدق واتزان تجد طريقها إلى القلوب.

أما الرسالة إلى المقوقس فجاء فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط ، (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)”. يتكرر هنا مبدأ “الكلمة السواء”، وهو مفهوم عميق في فلسفة الحوار؛ نقطة التقاء تتجاوز الخلافات التاريخية، وتعيد ترتيب الأولويات حول عبادة الله وحده. إن المقوقس لم يعلن إسلامه، غير أنه أظهر أدبًا في الرد، وأرسل هدايا، في مشهد يعكس أن الرسالة تركت أثرًا في المجال السياسي والديني معًا.

إقرأ المزيد:  غزوة خيبر: حصونٌ سقطت أمام يقين الرسالة وحكمة القيادة

علاوة على ذلك، أُرسلت الرسالة إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة رضي الله عنه، وجاء فيها: ” بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس”. هذه الرسالة تعلن شمولية الدعوة: “إلى الناس كافة”. إنها مواجهة فكرية مع إمبراطورية ترى نفسها مركز العالم. لكن ردّ كسرى بتمزيق الكتاب يكشف صدامًا بين تصورين للسلطة: سلطة تقوم على المجد الوراثي، وسلطة تستمد مشروعيتها من الوحي. وقد تحققت سنة التداول، فتفكك ملكه في سنوات قليلة، في مشهد يذكّر بأن التاريخ لا يحمي من يرفض الحق عنادًا. إن هذه الرسائل تمثل نقلة نوعية في السياسة الدولية للدولة الإسلامية الناشئة. فقد أظهرت:

  • عالمية الرسالة: تأكيد على شمولية الدعوة الإسلامية وتطبيق عملي لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
  • وضوح العقيدة مع مرونة الأسلوب: تركيز على التوحيد، مع مراعاة الخلفية الدينية لكل مخاطَب.
  • استخدام وسائل العصر: اتخاذ خاتم رسمي، اختيار سفراء ذوي علم وفصاحة وشجاعة.
  • لغة الطمأنة السياسية: في بعض الرسائل جاء الوعد ببقاء الملك لمن أسلم أو هادن، في إشارة إلى أن الإسلام لا يسعى إلى إلغاء الهويات، وإنما إلى إصلاحها.
  • ثقة القيادة بنفسها: مخاطبة أعظم الإمبراطوريات دون تردد، اعتمادًا على يقين بوعد الله.

في الأخير، لقد حملت رسائل النبي ﷺ بُعدًا روحيًا وسياسيًا في آن واحد. حيث أنها خرجت من المدينة تحمل نور الوحي، وتخاطب قوى العالم بثبات المؤمن الواثق برسالته. كما كانت إعلانًا أن الإسلام ليس تجربة محلية، وإنما مشروع هداية عالمي، يخاطب الضمير الإنساني، ويدعو إلى تحرير الإنسان من عبودية البشر إلى عبودية رب البشر. وهكذا ارتفع شأن الدولة الإسلامية، ودخلت مرحلة الحضور العالمي، حضور يقوم على الكلمة الصادقة، والحوار الحكيم، والثقة بأن الرسالة التي بدأت في غار حراء قادرة على أن تخاطب القصور كما خاطبت القلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *