﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ﴾
القرآن الكريم، سورة الفتح، الآية 20.
كيف تُدار معركةٌ تجمع بين التخطيط العسكري والحكمة السياسية؟ كيف تتحول الحصون المنيعة إلى أبوابٍ تُفتح أمام إرادةٍ مؤمنة؟ وما الذي تكشفه غزوة خيبر عن طبيعة الصراع في مرحلته المتقدمة بعد صلح الحديبية؟ إن التأمل في أحداث خيبر يفتح أفقًا لفهم لحظةٍ مفصلية في التاريخ الإسلامي، حيث اجتمع الوعد الإلهي مع الإعداد البشري، وتكامل السيف مع التدبير.
وقعت غزوة خيبر في سنة سبع من الهجرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها غاديًا مع أصحابه، وقد خصّ بها من شهد الحديبية، تحقيقًا للوعد الذي بشّرهم به الله. وقد استخلف النبي ﷺ على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي رضي الله عنه، وأعطى اللواء الأبيض لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وخرجت معه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها. كان التحرك مدروسًا؛ فقد نزل الجيش في وادٍ يقال له الرجيع من قبل الشام ليقطع الطريق بين خيبر وحلفائهم من غطفان، في خطوة تكشف وعيًا استراتيجيًا بطبيعة التحالفات. كما حاول يهود المدينة بثّ الإرجاف بين المسلمين، وادّعوا أن قتال خيبر يختلف عن مواجهة الأعراب، غير أن المسير استمر بثبات. وفي الطريق ارتجز عامر بن الأكوع، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، واستشهد في المعركة، فقال النبي ﷺ فيه: “إنه لشهيد”، فصلّى عليه المسلمون. كان ذلك المشهد إيذانًا بأن الطريق إلى الحصون يمرّ عبر تضحياتٍ صادقة.
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ليلًا، وانتظر حتى الصباح، فلم يسمع أذانًا، فتحرك نحوها، وخرج أهلها بمكاتلهم وفؤوسهم، فلما رأوه عادوا إلى حصونهم. وقد أشار الحباب بن المنذر بالابتعاد عن مرمى النبال، فأخذ النبي برأيه، في صورةٍ تجسد مبدأ الشورى في قلب الميدان. وكان شعار المسلمين يومئذ: “يا منصور أمت أمت”، تعبيرًا عن روحٍ معنوية عالية تستمد قوتها من اليقين. بدأ فتح الحصون تباعًا؛ فكان أولها حصن ناعم، ثم توالت الحصون حتى بلغت القموص، أعظمها وأشدها منعة. عندها قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه، ليس بفرار، يحب الله ورسوله، يأخذها عنوة”. تطلعت الأنظار، فلما أصبح دعا عليًا كرم الله وجهه، وكان يشتكي رمدًا، فمسح عينيه فبرئ، ودفع إليه الراية، ففتح الله عليه. في هذا المشهد تتجلى معاني الثقة والاصطفاء، وتظهر القيادة في لحظة الحسم.
وقد انتهت المواجهة إلى صلحٍ مع من بقي في حصني الوطيح والسلالم، على أن يخلوا بين المسلمين وبين الأرض، مع تحذير واضح: “وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا”. وحين ثبت الكتمان انتقض العهد. ثم طلب يهود خيبر المصالحة على أن يعملوا في الأرض ولهم نصف الثمرة، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، في صيغةٍ تجمع بين الحزم والمرونة. كما شهدت خيبر أحداثًا أخرى ذات أثر عميق؛ فقد أهدت زينب بنت الحارث شاةً مسمومة، فأُخبر النبي بأمرها، وكان قد أكل منها، ومات بشر بن البراء رضي الله عنه متأثرًا بها، وظل أثر السم يعاود النبي صلى الله عليه وسلم حتى وفاته. وفي هذه الغزوة نُهي عن أكل الحمر الأهلية ونكاح المتعة، وفيها قدم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة، فقسم لهم من الغنائم، كما أشرك أبا هريرة ومن قدم معه في السهم. ومن الدروس المستفادة من غزوة خيبر، نجد ما يلي:
- التخطيط الاستراتيجي يسبق المواجهة؛ فقطع الطريق بين خيبر وحلفائها نموذجٌ في إدارة التحالفات.
- الشورى مبدأ عملي في الميدان، كما ظهر في الأخذ برأي الحباب بن المنذر.
- القيادة تُبرز الكفاءات في لحظة الحسم، ويتجلّى ذلك في قول النبي ﷺ: “لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه”.
- الثقة بالله تصنع معنويات عالية تعبّر عنها الشعارات الجامعة مثل: “يا منصور أمت أمت”.
- الثبات أمام الإرجاف يحفظ تماسك الصف ويمنع الانهيار النفسي.
- الجمع بين الحزم والمرونة السياسية يحقق الاستقرار بعد الحسم العسكري.
- الوفاء بالعهد أصلٌ ثابت، ونقضه يترتب عليه سقوط الضمان والحماية.
- التضحية والشهادة جزء من مسار النصر، كما في استشهاد عامر بن الأكوع وبشر بن البراء رضي الله عنهما.
- إدارة الغنائم بعدلٍ تعزّز وحدة الجماعة وترسّخ الثقة بالقيادة.
- التشريع يتنزل مواكبًا للأحداث، كما ظهر في النهي عن بعض الممارسات خلال الغزوة.
في الأخير، انتهت خيبر بفتحٍ واسع ومغانم كثيرة، ثم عرّج النبي صلى الله عليه وسلم على وادي القرى ففتحها بعد أن دعا أهلها إلى الإسلام فأبوا، وعاد إلى المدينة بعد ستة أشهر مؤيدًا منصورًا. وتكشف هذه الغزوة عن مرحلةٍ من رسوخ الدولة، وعن انتقال المبادرة إلى يد المسلمين، وعن قدرة القيادة النبوية على الجمع بين القوة العسكرية والتدبير السياسي، وبين الوفاء بالعهد والحزم في مواجهة الغدر. لقد تحولت الحصون التي ظُنّ أنها منيعة إلى شواهد على أن التحصين المادي لا يغني عن قوة الإرادة، وأن المجتمعات التي تحسن التنظيم وتستثمر مواردها وتتمسك بمبادئها قادرة على تغيير موازين القوة. وفي ذلك درسٌ تاريخي بأن النصر ليس مجرد نتيجةٍ عسكرية، بل ثمرة إعدادٍ طويل وتخطيطٍ واعٍ وثباتٍ على المبدأ. هكذا فتحت خيبر بابًا لمرحلةٍ جديدة في تاريخ الدولة، حيث أصبحت المبادرة بيد المسلمين، وتجلت السياسة النبوية التي تجمع بين العدل والإحسان وبين الحزم حين تدعو الحاجة، لتبقى الغزوة علامةً على أن الإرادة المؤمنة إذا اقترنت بالعمل الحكيم تفتح الأبواب التي تبدو في ظاهرها مغلقة، وتصنع التحولات الكبرى في مسار التاريخ.









اترك تعليقاً