الهجرة إلى الحبشة: ملاذ الإيمان وبداية الانتشار

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية: 218.

كيف واجه المسلمون الأوائل موجة الاضطهاد التي اجتاحت مكة؟ وأين وجدوا ملاذًا يحفظ عقيدتهم ويصون كرامتهم؟ وكيف تحولت الهجرة إلى أرضٍ بعيدة إلى محطةٍ فارقة في مسار الدعوة الإسلامية؟ إن الهجرة إلى الحبشة تمثل صفحةً مضيئة في السيرة النبوية، تكشف عن حكمة القيادة، وصبر المؤمنين، وأثر الحوار الصادق في كسب القلوب. كما تكشف عن صبر المؤمنين، وحكمة القيادة النبوية، وأثر الكلمة الصادقة في كسب الاحترام. وتبرز أن الدعوة ليست محصورة في موطن واحد، وأن القيم الكبرى قادرة على إيجاد مسارها حين تتوفر الحرية.

ظلَّ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس سرًّا وجهرًا إلى عبادة الله وتوحيده، فاشتد أذى قريش، ولجأت إلى التعذيب والتنكيل بالمؤمنين. عندها أشار النبي ﷺ على أصحابه بالهجرة قائلًا: “إنَّ بأرض الحبشةِ ملِكًا لا يُظلَمُ أحدٌ عنده”، فكانت توجيهًا نابعًا من بصيرةٍ بالواقع ومعرفةٍ بأحوال الممالك المحيطة. وقد نزل في شأنهم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، فكانت الهجرة انتقالًا من ضيق التعذيب والاضطهاد إلى سعة الأمان. وقد كانت في رجب من السنة الخامسة للبعثة، وخرج فيها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، يتقدمهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان خروجهم تسللًا تحت جنح الليل حتى لا تشعر بهم قريش، فاتجهوا إلى البحر من طريق جدة، وركبوا سفينتين حملتهما إلى أرضٍ وجدوا فيها الأمن والحفاوة من ملكها النجاشي الذي تحقق فيه وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ملكٌ عادل.

إقرأ المزيد:  غزة.. حكاية البقاء ونور المقاومة

عقب شيوع خبر سجود قريش عند تلاوة سورة النجم، عاد بعض المهاجرين، ثم تبيّن لهم استمرار الأذى، فعادوا إلى الحبشة في هجرةٍ أكبر عددًا وأشد تنظيمًا، بلغوا فيها أكثر من ثمانين رجلًا ومعهم نساء. وقد كانت هذه الخطوة تأكيد على إصرارهم على حماية إيمانهم مهما كانت التحديات. لكن قريش أرسلت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بالهدايا ليستردوا المهاجرين، فوقف النجاشي موقفًا حاسمًا قائلًا: “لا هيمُ اللهِ إذًا لا أُسْلِمُهُم إليهما”، وأبى أن يسلم قومًا جاوروه واختاروا بلاده. واستمع إلى عرض الإسلام من جعفر بن أبي طالب الذي قال: “أيها الملك، كُنَّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش… حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه”. ثم قرأ عليه صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي وقال: “إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة”. وعندما سُئلوا عن عيسى عليه السلام، قال جعفر: “هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول”، فطمأن ذلك قلب النجاشي وأمّنهم في أرضه. ومن الدروس المستفادة من الهجرة إلى الحبشة:

  • الأخذ بالأسباب لحماية الدين عند اشتداد الفتن والاضطهاد.
  • مشروعية الهجرة فرارًا بالعقيدة وصونًا للإيمان.
  • ثقة القيادة النبوية بعدل الآخرين وحسن تقديرها للأوضاع السياسية.
  • أهمية اختيار المكان الآمن الذي تتوفر فيه العدالة والاستقرار.
  • الصبر على الشدائد والثبات أمام التعذيب والابتلاء.
  • قوة الحجة ووضوح العرض في الحوار مع غير المسلمين.
  • أثر الصدق في كسب القلوب كما حدث مع النجاشي.
  • تقديم صورة عملية عن أخلاق الإسلام وقيمه في كل زمان ومكان.
  • التضحية بالوطن والأهل في سبيل الحفاظ على العقيدة.
  • التخطيط الجيد والتنظيم المحكم في تنفيذ القرارات المصيرية.
  • عالمية الدعوة الإسلامية وقدرتها على الانتشار خارج حدود مكة.
  • أن العاقبة لأهل الحق متى تمسكوا بإيمانهم واعتمدوا على الله.
إقرأ المزيد:  أنطولوجيا الثقافة: الفعل الإنساني في بناء المعنى

في الأخير، لقد كانت الهجرة إلى الحبشة فرارًا بالدين وانطلاقًا نحو فضاءٍ جديد للدعوة، لكنها في جوهرها كانت درسًا في الثبات والمرونة؛ فحين ضاقت الأرض بالمؤمنين وجدوا في أرضٍ بعيدة ملاذًا يحفظ لهم عقيدتهم ويتيح لهم عرض رسالتهم في بيئة عادلة. أظهرت هذه المحطة حكمة محمد ﷺ في حماية أصحابه، ووعيه بأن الدعوة لا تُختزل في مكان واحد، بل يمكن أن تتجذر حيث تتوفر الحرية والعدل. كما كشفت عن شجاعة الصحابة وقدرتهم على مواجهة الغربة بثبات، وعرض مبادئهم بالحجة والخلق الحسن، فكان الحوار مع النجاشي مثالًا على إمكانية التفاهم بين الثقافات حين تُحترم القيم الإنسانية. هكذا تحولت الهجرة إلى شاهدٍ على عالمية الرسالة، وعلى أن الإيمان حين يُحاصَر يستطيع أن يزهر في أرضٍ أخرى، وأن العدل قيمةٌ تعترف بها القلوب الصادقة مهما اختلفت الأديان والأوطان. هذه التجربة التاريخية تظل درسًا معاصرًا في إدارة الأزمات، وفهم معنى الصبر، وإدراك أن الرسالات الكبرى تحتاج إلى مسار طويل من العمل والحكمة قبل أن تؤتي ثمارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *