نغوجي وا ثيونغو.. شجرة الفكر التي قاومت رياح الاستعمار

يقول الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغو في روايته “Weep Not, Child”:

“إن الرجل الأبيض يضع قانونا أو قاعدة يستولي بمقتضاها على الأرض ثم يضع قوانين أخرى للضغط على الناس بخصوص تلك الأرض وغيرها من الأمور التي لا توافق القبيلة عليها في أول الأمر… حتى إذا قام رجل ليعارض القانون الذي أباح انتهاك حرمة الأرض يأخذه أولئك الذين وضعوا القانون ليحاكموه وفقا لتلك القوانين الأجنبية… هل فيكم من يقول لي إن هناك من يمكنه أن ينتصر في قضية كهذه… حتى لو كانت الملائكة إلى جانبه؟”

في صباح يوم الأربعاء 24 ماي 2025، غادرت شمس الإبداع الإفريقي سماء الحياة، برحيل الأديب والمفكر الكيني نغوجي وا ثيونغو. رجل أصر أن يزرع غرسه الفكري في أرضه، رغم جذور الاستعمار التي حاولت أن تخنق كل شجرة أصيلة. برحيله، فقدت الإنسانية قلمًا ناضل ضد أعتى أشكال الهيمنة: الهيمنة الثقافية واللغوية، والتي تزرع في النفوس استعمارًا أشد قسوة من الاحتلال المادي.

وُلِد نغوجي في كنف مجتمع كيني تحت وطأة الاستعمار البريطاني، وجرّب منذ نعومة أظافره معنى أن يعيش الإنسان غريبًا في وطنه، حتى في لغته التي تهمس بها أمه في أذنه. عاش تحت سلطة تسعى لطمس الهوية الثقافية الإفريقية لصالح لغات وثقافات المحتل، لكنه حمل بين ضلوعه روحًا عصية على الخضوع.

بالنسبة لنغوجي، اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل ميدانًا للمقاومة وفضاءً للتحرر، فقد أدرك مبكرًا أن اللغة هي الحاضن الأول للهوية، والمفتاح الأهم لفهم الذات. عندما بدأ الكتابة باللغة الإنجليزية، كان يعبر عن تمزق داخلي بين هويته الكينية وبين الأداة التي فرضها عليه المحتل للتعبير، لكنه سرعان ما قرر العودة إلى لغته الأم، فكتب أعماله بلغة “كيكيو” و”السواحلية”، مستعيدًا بذلك الجسر المقطوع بينه وبين تراثه وشعبه وهويته.

إقرأ المزيد:  بين ظلال الجهل ونور المعرفة: مأساة الوعي الإنساني

كان نغوجي مؤمنًا بأن الكتابة باللغة الأصلية ليست فقط فعل مقاومة، بل أيضًا وسيلة لاستعادة القوة الثقافية للأمم المهمشة، يقول في أحد كلماته الملهمة: “إذا كنت تفهم جميع لغات العالم ولكنك تجهل لغتك الأم، فهذا هو الاسترقاق. أما معرفة لغتك الأم وجميع اللغات الأخرى فهو التمكين.”.

ليس من المستغرب أن يُسجن نغوجي بسبب كلماته، فهو كتب لا ليُرضي، بل ليُثير، ليطرح أسئلة صعبة، ويفتح جروحًا لم تلتئم بفعل الاستعمار. في مسرحيته “سأتزوج عندما أرغب”، وضع يده على جرح الاستغلال الطبقي والاقتصادي، ما أثار غضب السلطة الكينية آنذاك. وحتى في السجن كان يكتب على ورق المرحاض، مؤكدًا أن الكلمة لا تُقيّدها قضبان، وأن الفكر لا يُسجن.

لم تكن معركة نغوجي مع الاستعمار فقط، بل امتدت إلى مقاومة أشكال الاستعمار الجديد، الذي يتسلل عبر أدوات العولمة، وكان مؤمنًا بأن الهيمنة الثقافية العالمية تخنق الأصوات المحلية، وتُبقي الشعوب في دائرة التبعية. من هنا جاء إصراره على ترجمة أعماله إلى لغات إفريقية محلية، ليقول لشعبه: لغتنا قادرة على حمل أفكارنا وأحلامنا، ولن نحتاج إلى لغة الغريب لنسرد حكايتنا.

إن إرث نغوجي لا ينتمي لكينيا وحدها، بل هو غرس لكل دول الهامش، إنه غرس لمن يناضل ضد طمس الهوية، ولمن يسعى لاستعادة صوته وسط ضجيج القوى المهيمنة. علّمنا نغوجي أن الكتابة ليست رفاهية، بل مسؤولية، وأن الحروف تستطيع أن تكون سيوفًا تقاوم الظلم، وأغصانًا تمتد نحو مستقبل أكثر عدالة.

في الأخير، رحل الأديب المناضل نغوجي لكنه ترك وراءه أشجارًا من الفكر، ستظل تمتد جذورها في كل أرض تناضل من أجل الحرية. فسلامًا عليك، يا من كتبت بجراحك، وزرعت الأمل في النفوس المهمشة، وستبقى كلماته نورًا يهدي كل من ينشد التحرر من قيود الاغتراب الثقافي والروحي.

إقرأ المزيد:  “دروب ريمي”.. رحلة الحنين، الحنان، والأمل الإنساني