يقول المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في كتابه “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر”:
“الإنسان لا يتحمل الألم إلا من خلال إيمانه بشيء ما يتجاوز ذاته الضيقة.”
إن رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية تُعد نموذجًا عميقًا لتطور الإنسان في صراعه مع الأسئلة الوجودية الكبرى التي تجمع بين المادة والروح، الإيمان والشك، والثابت والمتغير. هذه الرحلة تعكس تحولاته الفكرية والمعرفية التي خرجت من نطاق التخصص الأكاديمي الضيق إلى أفق أوسع ينظر إلى الإنسان والحياة نظرة شاملة ذات أبعاد فلسفية وإنسانية.
نشأ عبد الوهاب المسيري في مدينة دمنهور، في بيئة تميزت بالتراحم والقيم الإنسانية التي طبعت المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين. في هذا الوسط الاجتماعي، بدأ يتكون لديه وعي أولي حول أهمية الإنسان كقيمة بحد ذاته. شكلت هذه المرحلة مرجعية أخلاقية وإنسانية أسهمت في تحصينه لاحقًا من الوقوع في براثن المادية الصرفة التي واجهها في دراساته العليا وتجربته الحياتية. في شبابه، تأثر المسيري بالفكر الماركسي الذي سعى لتفسير العالم عبر قوانين المادة والتاريخ. انجذب إلى هذا الفكر باعتباره يقدم تفسيرًا شاملًا للظواهر الاجتماعية والإنسانية، ولكنه سرعان ما اصطدم بحدود هذا التفسير وعجزه عن الإجابة عن الأسئلة الجوهرية حول المعنى والغاية والأخلاق.
هذا التناقض أثار داخله صراعًا فكريًا وروحيًا قاده في النهاية إلى إدراك أن الإنسان لا يمكن أن يُختزل إلى قوانين مادية أو علاقات اقتصادية. ففي لحظة تأمل عميقة، أدرك المسيري أن القيم الإنسانية كالخير والرحمة والجمال لا يمكن تفسيرها ضمن الإطار المادي الصرف، مما دفعه إلى البحث عن إطار فكري وروحي أوسع يعيد للإنسان مكانته الفريدة. من أبرز ما توصل إليه المسيري في رحلته الفكرية هو مفهوم “الإنسان المركب”، الذي يراه كائنًا متعدد الأبعاد يجمع بين الروح والمادة، وبين العقل والعاطفة، وبين الفردية والجماعية. هذه الرؤية جاءت كرد فعل على النماذج الفكرية المادية التي اختزلت الإنسان إلى بعد واحد، سواء كان اقتصاديًا أو بيولوجيًا أو اجتماعيًا.
في كتابه “الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان”، ينتقد المسيري هذه النماذج قائلًا:
“إن المادية تفرغ الإنسان من روحه، وتحوله إلى جزء من آلة ضخمة، حيث يصبح مجرد ترس في نظام مادي لا يعرف الرحمة أو المعنى”.
وفقًا للمسيري، الإنسان ليس كيانًا خاضعًا فقط لقوانين الطبيعة أو المجتمع، بل هو كائن يحمل في ذاته أسرارًا روحية وقيمية تجعله يتجاوز حدود المادية ويصبح محورًا للمعنى والقيمة في هذا العالم. إيمان المسيري لم يكن نتاج تقليد أو وراثة، بل هو نتيجة تجربة فكرية وروحية عميقة. من خلال مراجعته للتيارات الفكرية المختلفة، وجد أن الدين، وبالأخص الإسلام، يقدم رؤية متكاملة للإنسان والكون، رؤية تجمع بين البعد المادي والروحي في إطار من التكامل والتناغم.
هذا الإيمان لم يكن حالة استسلام، بل موقف اجتهادي واعٍ يعترف بتعقيد الإنسان وبأن جوهره لا يمكن اختزاله في إطار واحد. الدين بالنسبة للمسيري ليس فقط منظومة شعائرية، بل هو مشروع حضاري وأخلاقي يعيد تعريف الإنسان وعلاقته بالكون والمجتمع. أدى هذا التحول الفكري إلى تطوير المسيري منهجًا تحليليًا جديدًا أسماه “الموضوعية الاجتهادية”. يرى المسيري أن البحث العلمي لا ينبغي أن يقتصر على جمع المعلومات وتحليلها بمنهجية جامدة، بل يجب أن يسعى لفهم السياقات الثقافية والإنسانية التي تشكل الظواهر وتفسرها.
في نقده للنماذج الغربية، يشير المسيري إلى أن اختزال الظواهر الإنسانية في أبعاد مادية أو إحصائية يؤدي إلى تفريغها من معناها الحقيقي. فهو يرى أن العلوم الإنسانية يجب أن تكون إنسانية بحق، أي تعترف بخصوصية الإنسان ككائن متفرد يحمل في ذاته قيمًا وأبعادًا تتجاوز المنظور المادي. رحلة المسيري الفكرية ليست فقط شهادة على تحولاته الشخصية، بل هي دعوة لإعادة النظر في المفاهيم السائدة حول الإنسان والمجتمع. من خلال نقده للنماذج المادية ودفاعه عن “الإنسان المركب”، يقدم المسيري مشروعًا فكريًا يسعى لاستعادة الروح في زمن هيمنت فيه المادة.
في الأخير، تمثل رحلة عبد الوهاب المسيري نموذجًا للتأمل العميق في معنى الإنسان والوجود. إنها دعوة إلى التوازن بين المادة والروح، بين العقل والإيمان، وبين الفرد والمجتمع. في هذه الرحلة، يثبت المسيري أن الإنسان ليس كائنًا بسيطًا يمكن تفسيره بقوانين جامدة، بل هو كيان يحمل في داخله معجزة التعقيد والتجاوز، وهذا ما يمنحه القدرة على أن يكون صانعًا للمعنى في هذا الكون.








