اللغة والقوة.. صناعة الإيديولوجيا

تعد اللغة حاضنة للقوّة وأشكالها المختلفة، فباللغة يمكن أن تنتج الخطابات ذات الحمولات العصبية والعنصرية والترهيبية وما أشبه ذلك من أشكال القوة ذات البعد الطاغي، وإن كانت الدراسة في هذا السياق تتحدث عن العلاقة بين اللغة والقوة إلا أنها لا تقارب موضوع القوة بكونه خصّيصة جمالية للغة، من حيث إنّ اللغة قوية في مفرداتها وفي صيغها وأدواتها الإبداعية، أو أنّ اللغة قوية في أنساقها النظامية، وإنّما نقصد بالقوة ذاك البعد السلبي المُحمل في اللغة الذي يكون فيه الفرد بُعدًا فاعلًا، ذاك البعد الذي توظّف فيه القوة كوسيلة وأداة للتأثير في المجتمعات والأفراد والمؤسسات وصناعة الإيديولوجيات التي تمكن من تقويض التصورات وأفكار العامّة ومواقفهم؛ إذ إن “اللغة في الوجود أداة مطلقة وهي في السياسة قيمة مقيدة ولكن لها في تدوين السياسة وظيفة متحكمة” (المسدي، اللغة والسياسة، 2016. ص: 178). ولكون الخطابات السياسية لها دور كبير في التأثير على المجتمعات، فإنها تعتمد على اللغة والقوة في تمرير مجموعة من الإيديولوجيات التي تخدم مصالح جهات معينة دون غيرها، والقوة انطلاقا من هذا التصور بعد إيديولوجي يمكن أن يظهر من خلال اللغة، رغم أن هذا البعد الإيديولوجي نادرًا ما نوقش ضمن نطاق اللسانيات خاصة الجانب التداولي منه في بحثه عن العلاقة الكامنة بين اللغة والقوة (Fairclough, Language and power, 1989. P : 03).

تَجعل القوّة  أحيانا اللغة أداة لها بحيث تتحكم في الوعي اللغوي لإنتاج الخطابات ذات الأبعاد الإيديولوجية، التي تكون غالبًا محمولة بالقوة كبعد سلبي تجاه الأفراد والمجتمعات، ممّا يعني أنّ هناك علاقة تأثير وتأثر بين اللغة والقوّة؛ إذ إنّ كلًّا منهما له تأثير خاصّ على الآخر، فالقوة قد تستعمل اللغة في الترهيب وقد تستعملها أحيانًا كثيرة في القتل، فالكلمات قد تشن الحروب وتشرد المجتمعات. وتكمن كذلك العلاقة بين اللغة والقوة في كونهما تشكلان البعد والأداة الأبرز في صناعة الإديولوجيات وترسيخ الخوف والتخويف في المجتمعات، ولكون الخوف طبيعة سيكولوجيّة في الإنسان فمن الطبيعيّ أن تتدخّل مجموعة من العوامل في انتاجه، غير أنّ اللغة والقوّة تبقيان الأداة الرئيسة في صناعة الخوف وتوجيهه، فاللغة تخاطب الروح وتخاطب العقل، فتأثر الإيديولوجيا في كليهما؛ إذ إن “عمليّة إخراج الخطاب السياسي تتأرجح بين العقل والعاطفة مازجة بين اللوغوس والإيطوس والباطوس” (شارودو، الخطاب السياسي أو سلطة اللغة، 2019. ص: 15)، فاللغة هي من يزرع الأفكار في النفوس، وتأثر بالوعي أو بالاوعي في موافق الناس انطلاقًا من التأثير على أفكارهم، فخطاب الإرهاب مثلا من الخطابات الطاغية في المجتمعات الحديثة، ولذلك فهو يستعمل أولًا كأداة ترهيبية ينتج من خلالها الخوف، وكأداة ينظر فيها إلى الإرهاب كخطر يمكن أن يتم إيقافه، هو ما يظهر في الخطابات السياسية على وجه الخصوص، فالذي يحاول التمسك بكرسي السلطة يستعمل الخطاب اللغوي والإرهاب كأداة للتهديد، ويجعل من نفسه السبب في مقاومة الإرهاب، والتخويف بعودته كلما وقعت المظاهرات وتزعزع أمن الدولة، وفي المقابل كذلك فالسياسي الذي يحاول الوصول لمقاليد الحكم يتعامل مع نفس الخطاب، غير أنه يُمحوره لغرضه الخاص وهو الوصول إلى السلطة، والغالب في خطابات هذه الطبقة، أن الإرهاب أصبح يشكل خطرًا على المجتمعات والأفراد، وأنه حان الوقت لإيقافه والتخلص منه، ومنه أصبحت اللغة السلاح الأجدى للتأثير في المجتمعات، وهذا راجع أساسًا لمكانتهما في الحياة وطريقة تأثيرهما فيها، فاللغة تعدّ الأداة التي يفكر من خلالها الانسان ويعبّر عن نفسه بها، وتكون بذلك اللغة بهذا المعنى مرتبطة بأغلب جوانب الحياة.

إقرأ المزيد:  الدولة وتحوّل أخلاق أهلها: أطوار الملك من العصبية إلى الهرم عند ابن خلدون

إن اللغة والقوة كيانان تجمع بينهما علاقة جدلية، بحيث إن كلًا منهما يوظف الآخر ويؤثر فيه، واللغة “قوة لها فعل السحر، وسلطان له الهيمنة على أفكار الناس وعقولهم” (محمد داود، اللغة والقوة والحروب اللغوية، 2016. ص: 31)، فاللغة تنتج القوة والعنف، والإيديولوجيات والأفكار والمعتقدات العصبية وما شابه ذلك، أما القوة فتختلف أدواتها بحسب الأوضاع والمجتمعات والعصور، غير أن اللغة تبقى الأداة الأبرز التي تستعين بها القوة لصناعة الخوف والتخويف، وأحيانا كثيرة للقتل، فخطاب في البيت الأبيض بعهد “جورج بوش الابن”، جعل من العراق بؤرة للإرهاب والصراعات، التي امتدت ولم تنتهِ إلى عصرنا الحال، وكانت اللغة السبب الرئيس الذي جعل من الغزو الأمريكي أمرًا غير مستساغ لدى مجموعة من الدول؛ إذ استعمل خطاب أسلحة الدمار الشامل، بشكل مكثف في هذه المرحلة، لأجل تبرير عملية الغزو، وكل هذا إنما كان باستعمال خطاب حمل في طياته مجموعة الإيديولوجيات، كانت فيها اللغة الأداة الأبرز فعندما يقول بوش الابن مخاطبا القوات المسلحة الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط – في خطابه المشهور قبل غزو العراق (خطاب بوش، 2003) – أن “السلام في العالم مضطرب، وآمال شعب مضطهد [الشعب العراقي] تقع الآن على عاتقكم، وهذه الثقة بمحلها” ويقول “ليس لدينا أي طموحات في العراق باستثناء إزالة التهديد [أسلحة الدمار الشامل]”، “الآن وقد بدأ الصراع، فإن السبيل الوحيد للحد من مدته، هو استخدام القوة”، إن اللغة بهذا التعبير يمكن أن تشن الحروب، ويمكن في سياق آخر أن توقفها، إن هذا الخطاب يمثل اللغة في بعدها العنيف الذي يوجَّهه  “جورج بوش الابن” ضد الآخر، “بغرض نفيه وإقصائه وتهميشه، أو بغرض التدليس وتغييب الوعي وحجب الحقائق” (الأمين، عنف اللغة ولغة العنف في المشهد السياسي في السودان، 2016. ص: 77).

إقرأ المزيد:  حب النبي للوطن بين الفطرة الإنسانية ورسالة السماء

ومنه فإن اللغة تُعتبر من أبرز الأدوات ذات الأبعاد المختلفة التي تُخلق بها الإيديولوجيات؛ فاللغة وعاء يمكن توظيفه في مجموعة من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما أشبه ذلك، إنّ للغة “قدرة على تحويل التأثير في العالم وبالتالي تحويل العالم ذاته، بفضل قدرتها على التعبئة” (بورديو، الرمز والسلطة، 2007. ص: 56). إنّ اللغة بهذا المعنى يمكن أن تكون خطابا واعيا نملكه أحيانا ونوظفه لأغراضنا؛ أو يمكن أن تكون خطابا يملكنا بوعي أو بلا وعي منا، أحيانا أخرى، فهي التي تحدد تصوّراتنا وأفكارنا وهي من يتحكم فينا، إنها إيديولوجية نعيشها ونعايشها، فاللغة يمكن أن تنتج القوّة، ويمكن كذلك أن تستعين باللغة باستعمال خطابها القوي في صناعة الخوف، وترهيب الآخر، إن اللغة هي من يبني واقعنا، وهي من تجمع وتفرق وهي من تبني وتهدم؛ إنها أداة تصنع الأمن والأمان، وهي من جانب آخر أداة تصنع الخوف والتهديد.