علم الاجتماع.. علم ينتصر للطبقات الهامشية

“علم الاجتماع ليس علمًا محايدًا، بل هو مرآة للمعاناة الجماعية، وسلاح ناعم في يد من لا صوت لهم.. إنه علم يُمارَس من موقع الشاهد، لا من برج المراقبة.”

هل يمكن لعلم أن يكون منحازًا؟ وهل يُعقل أن تنتصر المعرفة لغير السلطة؟ في زمن تتجلى فيه سطوة الطبقات المهيمنة على أدوات الإنتاج والخطاب معًا، يبرز علم الاجتماع كعلم مشاكس، يحمل في جوهره بذور التمرد، ويعيد الاعتبار لصوت الجماعات المهمشة، للمنسيين في هوامش التاريخ، ولأولئك الذين لم تُكتب سيرهم إلا من زاوية المنتصر.

منذ أن طرح أوغست كونت تأسيس “علم للمجتمع”، كان الهدف المعلن هو الفهم. لكن فهم ماذا؟ ومن أجل من؟ سرعان ما اتضح أن السوسيولوجيا، وإن بدت محايدة في لغتها الأكاديمية، كانت دومًا ذات صبغة أخلاقية، إذ لا يمكن دراسة “اللامساواة” دون استشعار الظلم، ولا يمكن تحليل “الاغتراب” دون الإحساس بالغربة، ولا يمكن تفسير “العنف الرمزي” دون التورط في الدفاع عن الضحايا.

كارل ماركس أحد الآباء الروحيين للسوسيولوجيا، لم يُخفِ انحيازه، فالعلم عنده أداة للتغيير، وليس مجرد أداة للفهم. لقد كشف عن البنى التحتية التي تُنتج الوعي الزائف، وعن الكيفية التي تُعيد بها الطبقات الحاكمة إنتاج سلطتها عبر الأيديولوجيا والمؤسسات. لم يكن تحليله للطبقات الاجتماعية عملًا تجريديًا، بل كان صرخة في وجه التفاوت الطبقي، ودعوة لقلب الطاولة على من يملكونها.

ثم جاء إميل دوركايم، أكثر تحفظًا في انحيازه، لكنه هو الآخر لم يكن بريئًا من حس إنساني تجاه الجماعات الهشة، فعندما تناول ظاهرة الانتحار، لم يلقِ باللوم على الأفراد، بل سعى إلى فهم السياقات الاجتماعية التي تدفع الإنسان إلى اختيار الموت، هذا هو جوهر السوسيولوجيا: إزاحة المسؤولية من الفرد المنعزل إلى البناء الاجتماعي الأوسع، وتفكيك الأنظمة التي تنتج البؤس، لا مجرد وصف آثاره.

إقرأ المزيد:  فلسفة الهامش.. تأملات في حدود الوجود ومركزية الآخر

وهنا يطرح السؤال الكبير: هل يمكن لعلم الاجتماع أن يلتزم بالحياد الأكسيولوجي؟ أي ذاك الحياد القيمي الذي دعا إليه ماكس فيبر، معتبرًا أن عالم الاجتماع ينبغي أن يفصل بين القيم الشخصية والتحليل العلمي الموضوعي. إن فيبر أراد لسوسيولوجيا المعرفة أن تبقى مخلصة للمنهج لا للأيديولوجيا، غير أن الواقع يُظهر أن الحياد الأكسيولوجي، رغم ضرورته المنهجية، لا يعني اللا مبالاة الأخلاقية، فالاهتمام بالظواهر الاجتماعية ذات الطابع الظالم والمجحف يفترض حسًا نقديًا، حتى وإن ظل التحليل عقلانيًا ومحكومًا بالأدلة.

في القرن العشرين تجاوز بيير بورديو هذا التوتر، إذ أدرك أن الحياد القيمي لا يعني التجرد من المسؤولية، بل إن كشف آليات السيطرة الرمزية يتطلب من السوسيولوجي أن يتحرك بين فهم البنية والانحياز للضحايا في الآن ذاته. فالسوسيولوجيا عنده لا تعني التواطؤ مع اللغة المحايدة، بل مساءلتها وتفكيكها.. لقد فضح كيف تُعاد إنتاج الفوارق الطبقية عبر المدرسة والذوق والثقافة، تحت ستار “الاستحقاق” و”الكفاءة”، بينما هي في العمق أشكال مموهة للهيمنة.

علم الاجتماع لا يطلب من الباحث أن يكون محاميًا، لكنه يجبره على أن يكون شاهدًا. شاهدًا على قسوة النظام، على عنف المؤسسات، على أصوات المقموعين في المصانع، والسجون، والمخيمات… ولهذا السبب، كثيرًا ما يُنظَر إلى علماء الاجتماع بريبَة من طرف السلطة. فهم لا يصفون العالم فقط، بل يسائلونه، ويحرجون صمته، ويفضحون ادعاءاته.

في العالم العربي، حيث تتقاطع السلطة السياسية بالهيمنة الاقتصادية والثقافية، لا يزال علم الاجتماع علمًا مهددًا، فكل محاولة لفهم الظلم البنيوي تُواجَه بتهمة “التحريض”، وكل تحليل للسياسات الاجتماعية يُعد “تسييسًا للعلم”. لكن رغم ذلك، يستمر بعض الباحثين في النبش داخل الطبقات المنسية: عمال المناجم، سكان الأحياء الهامشية، النساء المعنفات، المهاجرين غير النظاميين، وأطفال الشوارع… أولئك الذين لا يُرى وجودهم إلا عندما يُستخدم كـ”مشكلة اجتماعية”.

إقرأ المزيد:  التعليم كركيزة للنهوض الحضاري في عصر التحولات الكبرى

في الأخير، علم الاجتماع في جوهره، هو علم ينتصر للطبقات المسحوقة، لا لأنه يدّعي الفضيلة، بل لأنه يبني أدواته على فضح اللامساواة، ويفكك الخطابات التي تبررها. هو علم يسعى إلى الحفاظ على التوازن بين الحياد الأكسيولوجي كمنهج، والانحياز الإنساني كقيمة، وكذلك هو علم لا يقبل التواطؤ مع السلطة، ولا الخضوع لإغراءات “الحياد” الأكاديمي حين يكون ذلك غطاءً للصمت، لأنه بكل بساطة، علم له ضمير. فهل يمكن لعلم كهذا أن ينجو في زمن السوق والعولمة؟ وهل يُسمح له بالاستمرار إن لم يكن تابعًا أو مروّضًا؟ أم أنه سيظل، كما أراده ماركس وبورديو، علمًا يُحرج النظام؟