“العودة إلى زمن الطفولة”… سؤال الحنين ودهشة البدايات

يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته “إلى أمي”:

أحنُّ إلى خبز أمي

وقهوة أُمي

ولمسة أُمي..

وتكبر فيَّ الطفولةُ

يوماً على صدر يومِ

وأعشَقُ عمرِي لأني

إذا مُتُّ،

أخجل من دمع أُمي!

ما الذي يدفع الإنسان إلى الالتفات نحو الوراء كما لو أنّ الماضي يحمل وعدًا سرّيًا لا ينطفئ؟ لماذا يبدو زمن الطفولة وكأنه مخزن للصفاء الأصلي، زمنٌ تسبح فيه الروح خفيفةً، لا تعترف بالحدود، وتعيش اللحظة بامتلائها دون أن تنظر إلى الأمام بقلق؟ إنّ الأمر يتجاوز الرغبة في تذكّر أحداث قديمة، إلى شيءٍ أعمق: توقٌ إلى استعادة شعورٍ بالكمال لم يعد حاضرًا، وإلى حضورٍ كان يسبق كلّ محاولات التفسير والتأويل.

يرى بول ريكور أن الذاكرة “لا تعيد عرض الزمن، بل تعيد خلقه”، فهي ليست مسرحًا للأحداث كما جرت، بل ورشة يبني فيها الحاضر ماضيه من جديد، ليخرج الماضي من ظلام النسيان مضيئًا بالمعاني التي نُسقطها عليه، لا بالحقائق الجامدة التي احتواها ذات يوم. هنا نفهم لماذا تبدو الطفولة أجمل كلما ابتعدنا عنها: نحن لا نتذكّرها كما هي، بل كما نحتاج أن تكون.

حين تحدّث مارسيل بروست عن الحنين كتب أنّ “الماضي يختبئ في طعم شيء بسيط، في رائحة، في ملمس، ينتظر لحظةً لينفجر في الذاكرة”، وكأنّ التفاصيل الصغيرة هي بوابات سرية تفتح فجأة على عوالم كاملة: قطعة حلوى قديمة، شعاع شمس على جدارٍ منسيّ، رائحة أرض بعد مطر…، التي تتحوّل إلى مفاتيح للزمن الغابر، ونحن لا نحب الماضي لذاته، بل لما يوقظه فينا من صورٍ لا يمكن للإدراك الواعي أن يلمسها مباشرة، لأنها تنتمي إلى ما قبل اللغة، إلى مرحلة كنّا نعيش فيها دون أن نعلّق على الحياة أو نفسّرها.

إقرأ المزيد:  الاقتصاد السياسي والعمران في فكر ابن خلدون: قراءة فلسفية معاصرة

يذهب مارتن هايدغر إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أنّ ما يجذبنا إلى الطفولة هو شعور بالأصالة سكنها ولم يعد حاضرًا الآن، فالطفل في نظره، لم يكن قد دخل بعد في أنظمة العالم، لم يتورّط في الأقنعة الاجتماعية التي تحوّل الحياة إلى مسرح بارد. فقد كان يعيش الوجود كما هو، قبل أن يُثقلَهُ وعيٌ يسأل عن الغايات ويخاف من الفقد. لهذا تبدو الطفولة، في أعيننا، زمنًا لم نكن فيه غرباء عن ذواتنا، زمنًا يسبق الانقسام بين الداخل والخارج، بين الرغبة والحساب.

التقط ميلان كونديرا هذا الخيط من زاوية أخرى، حين قال إنّ “الإنسان يحارب النسيان كي لا يختفي هو نفسه مع ما نُسي”، فالماضي بالنسبة له ليس صندوق ذكريات بريئًا، بل هو أساس الهوية.. لذلك نتمسّك بصورنا القديمة، بالأغاني التي رافقتنا، بالأماكن التي غيّرها الزمن، لأننا نخشى أنّ ضياعها يعني ضياعنا نحن أيضًا، فالحنين هنا ليس ترفًا عاطفيًا، بل فعل مقاومة ضد المحو، ضد الفناء الذي يتقدّم ببطء.

أما فلاديمير نابوكوف فقد صاغ المسألة بعبارة خاطفة: “الطفولة حلم لم ندركه إلا حين استيقظنا منه”. وهذا يعني أنّ ما نفتقده لم يكن واضحًا ونحن نعيشه، لأنّ الوعي بالزمن لم يكن قد بدأ بعد، حتى نكتشف قيمته لاحقًا، عندما نكتشف أيضًا أنّ الحاضر لا يُمسك بشيء، وأنّ كلّ لحظة تعبر تتحوّل في الحال إلى أثر باهت في الذاكرة، مثل نجمة بعيدة نرى ضوءها بعد أن انطفأت منذ زمن.

هكذا يتشكّل حبّنا للماضي من طبقات متداخلة: توقٌ إلى زمن البراءة الأولى قبل أن يُثقِلنا الوعي، مقاومة ضد محو الهوية كما يقول كونديرا، وحنين إلى أصالة الوجود التي تحدّث عنها هايدغر. لذلك كلما تقدّم العمر اتّسع هذا الحنين، لأنّ الماضي لم يعد مكانًا نزوره بالذاكرة فحسب، بل صار القارة الداخلية الوحيدة التي تحفظ ملامحنا من التلاشي. في الأخير، حبّ الماضي وطفولتنا هو حبّ لحقيقة لا يمكن القبض عليها، لحلم يتسع كلّما ابتعدنا عنه، ولزمن لم يكن يعرف اسمه زمنًا بعد.

إقرأ المزيد:  المهمشون.. فلسفة الحضور المنسي في سردية التاريخ