العقد الاجتماعي والمواطنة الرقمية: من روسو إلى زمن الخوارزميات

“كل عصرٍ يُعيد كتابة عقده مع الحرية، وحين تصبح الخوارزميات لسان الجماعة، تتحوّل السياسة إلى كودٍ يُعيد تشكيل الإنسان في صورته الرقمية.”

هل ما زال العقد الاجتماعي الذي تصوّره جون جاك روسو صالحًا في عصرٍ لم تعد فيه السلطة حكراً على الدولة بل على الخوارزميات؟ كيف يمكن للحرية أن تظل ممكنة حين تتحوّل المشاركة السياسية إلى بيانات تُحلَّل وتُوجَّه؟ هل المواطن الرقمي وريثٌ للمواطن الجمهوري الذي حلم به فلاسفة التنوير، أم أنه كائن جديد يتعاقد مع آلةٍ لا وجه لها؟ قال جون جاك روسو في مستهلّ العقد الاجتماعي: «الإنسان وُلد حرًا، وهو في كل مكانٍ مكبّل بالأغلال». هذه العبارة تُلخّص المأزق الذي عاشه الفكر السياسي منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم، فالحرية التي حلم بها روسو لم تكن حرية العزلة، بل حرية تُبنى من خلال المشاركة في الإرادة العامة التي تمنح القوانين معناها الأخلاقي. كان العقد الاجتماعي، في جوهره، محاولة لتأسيس السياسة على الوعي الجمعي لا على القوة.

غير أنّ التحولات التقنية المعاصرة نقلت العقد من ساحات المدن إلى فضاءات الشبكات، لأن الإنسان اليوم يعيش في عالمٍ افتراضي تتقاطع فيه الهويات، وتتشكّل فيه الإرادات عبر البيانات. وهكذا انتقل مركز الثقل من المدينة السياسية إلى المدينة الرقمية، حيث المواطن لا يحمل بطاقة تعريف فقط، بل يحمل ملفًا رقميًا يختزن حياته بأكملها. من هنا تبدأ فكرة المواطنة الرقمية، التي تُعيد طرح سؤال روسو في سياقٍ جديد: كيف نحافظ على الحرية في عالمٍ تحكمه الخوارزميات؟

يقول ميشيل فوكو إن “السلطة ليست شيئًا يُمتلك، بل شبكة من العلاقات تُمارس”، ففي زمن المنصات لم تعد السلطة فوق الأفراد، بل في داخلهم، تتسلّل إلى سلوكهم اليومي، تُشكّل أذواقهم، وتوجّه رغباتهم عبر ما يُقترح عليهم من محتوى. كما أن المواطن الرقمي يعيش في فضاءٍ يبدو مفتوحًا، لكنه محكوم بنظامٍ من القواعد الخفية التي تصوغ رؤيته للعالم دون أن يشعر. هكذا يتجاوز العقد الرقمي حدود السياسة الكلاسيكية ليصبح عقدًا معرفيًا، تُستبدل فيه الإرادة العامة بالإرادة الحسابية.

إقرأ المزيد:  مرتكزات المشروع الفلسفي عند موسى بن ميمون: العقل، التأويل، وأفق التوحيد

علاوة على ذلك، يقول هابرماس إن “المجال العمومي هو الفضاء الذي تتشكل فيه الإرادة العقلانية عبر الحوار”، إلا أنّ الحوار في العصر الرقمي يأخذ شكلًا متشظيًا، سريعًا، تُهيمن عليه العواطف والخوارزميات التي تفضّل الإثارة على التأمل. المواطنة هنا لم تعد ممارسةً للعقل العمومي فحسب، بل مقاومةً للانغلاق داخل فقاعة رقمية. إنّ الدفاع عن الحرية أصبح مرادفًا للدفاع عن الحق في التفكير المستقلّ وسط ضجيج البيانات.

إن العقد الاجتماعي عند روسو كان محاولةً لجعل القانون تعبيرًا عن الإنسان بوصفه كائنًا أخلاقيًا. أما العقد الرقمي المعاصر فهو في طور التشكل، إذ يتأرجح بين وعدين: وعد التمكين ووعد السيطرة. فمن دون وعيٍ نقدي بالممارسات الرقمية، يتحول التفاعل إلى طاعة، والمشاركة إلى خضوع ناعم. وهنا يكتسب قول حنا أرندت عمقًا جديدًا: “الحرية تبدأ حين نتوقف عن الطاعة”.

ما تحتاجه الإنسانية اليوم هو عقد اجتماعي رقمي جديد، يقوم على الشفافية، وحماية البيانات، وضمان المشاركة الفعلية في صنع السياسات الرقمية. فكما أراد روسو أن يكون القانون مرآةً للإرادة العامة، يجب أن تكون التكنولوجيا مرآةً للكرامة الإنسانية لا أداةً لمراقبتها، في هذا الصدد يقول هايدغر: “جوهر التقنية ليس شيئًا تقنيًا”، على ضوء هذا القول تُصبح المواطنة الرقمية فعلًا فلسفيًا قبل أن تكون ممارسة مدنية، إذ تقتضي فهم التقنية بوصفها بنيةً للوجود المعاصر، لا أداةً محايدة. إذن، المواطن الرقمي هو من يدرك أنّ كل تفاعل إلكتروني هو لحظة تأسيسٍ لعقدٍ جديد بين الإنسان والعالم، بين الحرية والمعرفة، بين الذات والآلة.

في الأخير، المواطنة الرقمية وعيٌ نقديّ يُعيد إلى العقد الاجتماعي معناه الأول: المشاركة الحرة في صنع المصير المشترك، لا بين أفرادٍ متجاورين فحسب، بل بين بشرٍ يعيشون داخل شبكةٍ من المعاني والتقنيات التي أعادت تعريف ماهية الإنسان ذاته.

إقرأ المزيد:  التاريخ الرمادي.. من يكتب الماضي؟