بين ظلال الجهل ونور المعرفة: مأساة الوعي الإنساني

الجهل يمنح راحة القلب، والمعرفة تزرع القلق في الروح. بينهما يتأرجح الإنسان في رحلته نحو الفهم.”

هل يمكن أن يكون الجهل سعادةً حقيقية، وأن تكون المعرفة طريقًا إلى العذاب؟ أليس في الوعي بذاته وبالعالم ما يجعل الإنسان أكثر هشاشةً وأكثر ألمًا؟ ثم ما معنى أن نعرف، إذا كانت المعرفة تُفقدنا الطمأنينة التي تمنحها البساطة؟ منذ أن تذوّق الإنسان من “شجرة المعرفة”، ومنذ لحظة خروج الإنسان من “الجنة”، كما تقول النصوص الدينية السماوية “الإبراهيمية”، بدأ عذابه الطويل ومحنته التي لا تنتهي. إن قصة آدم وحواء ليست سوى استعارةٍ كونيةٍ عن لحظة الوعي الأولى، حين أكل الإنسان من شجرة المعرفة فانكشفت له هشاشته أمام العالم، يكتب هيغل في كتابه “فينومينولوجيا الروح”: “الوعي بالتناقض هو الألم في أنقى صوره”، وكأن المعرفة نفسها جرحٌ مفتوح، لأنها تجعل الإنسان يرى ما لا يمكن احتماله.

إن الجهل في معناه العميق ليس غباءً، بل براءة وجودية، غيابٌ للقلق الناتج عن إدراك العدم، فالجاهل يعيش في انسجامٍ مع العالم، لا لأنه أفضل، بل لأنه لا يسأل عن الغاية من الحياة ولا عن سبب الشر، ويعيش الأشياء كما هي، دون أن يحفر في معناها أو عبثها. ولهذا كتب الشاعر الإنجليزي توماس غراي في قصيدته سنة 1742: “حين يكون الجهل نعيمًا، تصبح الحكمة حماقة”، تلك العبارة التي تختصر مأزق الكائن البشري: فالمعرفة لا تمنح الطمأنينة، بل تسلبها، والعقل الذي يسأل دائمًا يفقد سكون القلب.

غير أن المعرفة في المقابل تُصوّر في الفلسفة بوصفها حملًا ثقيلًا، في هذا الصدد يقول نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت”: “الإنسان الذي يسعى وراء المعرفة يشبه من يتطلع إلى الشمس، يفتح عينيه على النور فيحترق به”. بهذا المعنى، تصبح المعرفة ليست خلاصًا، بل امتحانٌ دائم، إذ تجعل الإنسان يعي هشاشته أمام الكون، وتضعه في مواجهة أسئلةٍ لا أجوبة لها. أما الجاهل، فيحيا في عالمٍ مغلقٍ مكتفٍ بذاته، عالمٍ لا يعرف الهاوية، ولهذا قال جان جاك روسو في اعترافاته: “كنتُ أودّ لو عشتُ جاهلًا، فالسعادة التي كنت أجهلها كانت أكبر من المعرفة التي تؤلمني الآن”.

إقرأ المزيد:  العقل السياسي العربي عند محمد عابد الجابري: تفكيك البنية التاريخية ومساءلة منطق السلطة

كل معرفةٍ إذن تفرض على صاحبها ثمنًا، وكل وعيٍ هو عبورٌ نحو فقدان البراءة، لذلك كان سقراط في محاورات أفلاطون، أكثر حكمةً حين قال: “كل ما أعرفه أني لا أعرف شيئًا”، هذا الجهل السقراطي ليس فرارًا من التفكير، بل اعترافٌ بحدود الإنسان أمام اللامتناهي أو المطلق، إنه شكلٌ من الوعي المتواضع الذي يفتح باب القلق بدل أن يغلقه، لأن معرفة حدود الجهل ليست راحة، بل مسؤولية.

وفي القرن العشرين، بلغت فكرة “جحيم المعرفة” ذروتها مع فلاسفة العبث والوجودية، في هذا الإطار كتب ألبير كامو في كتابه “أسطورة سيزيف”: “أن تفهم أن العالم بلا معنى، ولا تملك إلا أن تعيش فيه، تلك هي المأساة الحقيقية”، فالمعرفة هنا لا تخلّص الإنسان من الجهل، بل تدفعه إلى مواجهة العدم. أما الجاهل، فيعيش في انسجامٍ مع الوهم، محاطًا بالمعنى المصنوع من طمأنينته. وفي السياق نفسه كتب سارتر في “الوجود والعدم”: “الوعي هو أن تكون في العالم، وأن تكون غريبًا عنه في الوقت نفسه”، فالمعرفة تُحرّر الإنسان من أوهامه، لكنها تفصله عن العالم الذي أحبّه حين كان جاهلًا به.

وحين يكتب بليز باسكال في كتابه “خواطر”: “قليل من الفلسفة يبعد عن الله، وكثير منها يعيد إليه”، فهو يلمّح إلى أن المعرفة حين تكتمل لا تؤدي إلى الغرور، بل إلى اعترافٍ أعمق بالجهل. في ذروة الوعي، يكتشف الإنسان أن الجهل لم يكن عيبًا، بل سترًا يحميه من الانهيار أمام الحقيقة العارية. هكذا يصبح نعيم الجهل حكمةً متعالية، لا سذاجةً، ويغدو جحيم المعرفة امتحانًا لا عقوبة.

بين نعيم الجهل وجحيم المعرفة، يتأرجح الإنسان منذ الأزل. فكلّما اقترب من النور، ازداد إحساسه بالظلال، وكلّما اتسعت رؤيته، ضاق قلبه. المعرفة تُحرّر لكنها تُعرّي، والجهل يُقيّد لكنه يُطمئن. ربما الخلاص لا يكون في اختيار أحدهما، بل في الموازنة بينهما: أن نعرف بقدر ما نحتمل، وأن نجهل بقدر ما نحافظ على إنسانيتنا.

إقرأ المزيد:  التعليم التحرري.. نحو استعادة الوعي الإنساني بالعالم

في الأخير، يمكن القول: “سعيدون أولئك الذين لم تُفتح أعينهم بعد، لأنهم لم يروا الهاوية”، فبينما رأى أفلاطون في الخروج من الكهف خلاص الروح، قد يكون الخلاص الحقيقي في البقاء داخل عتمته الدافئة، حيث لا يزعج النور العين، ولا تغرس المعرفة في القلب شوكةً لا تُنتزع.