تأملات في نشأة المجتمع البشري

“ليس الإنسان كائنًا يعيش في المجتمع، بل هو كائن لا يتحقق إلا به.”

يظهر أن تأمل نشأة المجتمع البشري هو في حقيقته تأمل في نشأة الوعي بالغير. فالإنسان، قبل أن يكون كائنًا اجتماعيًا، كان موجودًا في فوضى الطبيعة، يخضع لغريزته الأولى: البقاء. ومن هذه الفوضى خرجت الشرارة الأولى للوعي الجمعي، حين اكتشف أن قوته الفردية عاجزة عن مقاومة العدو أو الصيد أو الموت. من هنا، لم تكن البداية حبًّا في الاجتماع، بل خوفًا من الفناء.

فالطبيعة في الحيوان، كما يقول علماء الأحياء، أن يكون انفراديًّا، لأن الاجتماع يجعل القوت نادرًا والمنافسة شديدة. ومع ذلك، وُلد المجتمع من رحم الحاجة، ومن إدراك أولي بأن الاتحاد يمنح الأمان. هكذا، يمكن القول إن الاجتماع الإنساني لم يكن فعلًا أخلاقيًا في بدايته، بل كان ضرورة بيولوجية تحولت مع الزمن إلى قيمة حضارية.

ومن اللافت أن نواة هذا الاجتماع كانت الأم، لا الأب. فالأمومة سبقت الأبوة، والعائلة الأمومية سبقت العائلة الأبوية، لأن المرأة كانت الأصل في البقاء والرعاية، وهي التي حملت معنى الانتماء الأول. لقد كان الانتساب للأم، لا للرجل، هو ما جعل الجماعة ممكنة، إذ جمعت بين أولادها وشكّلت أول رابطة إنسانية. كانت الرحمُ رمز الحياة والقرابة والرحمة، ومنها اشتُقت المفاهيم الأولى للحنو والمشاركة والتكافل.

إن ما نراه اليوم من روابط اجتماعية معقدة، ومن مؤسسات وقوانين، إنما هو امتداد لتلك البذرة الأولى التي غرستها الأمومة في الوعي البشري. فالتعاون لم يكن قرارًا عقلانيًا بقدر ما كان استمرارًا لغريزة الرعاية التي تعلّمها الإنسان من حليب أمه. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن المجتمع لم يتشكل من العقل وحده، بل من العاطفة، من الحنين إلى دفء الجماعة بعد برودة العزلة.

إقرأ المزيد:  التاريخ الإسلامي بين الرسالة والدولة: تأملٌ في المعنى والسلطة والتاريخ والذاكرة

ثم جاءت الزراعة لتقلب الموازين. إذ لم يعد الإنسان مترحّلًا يبحث عن القوت، بل استقر في الأرض، وغرس البذرة كما غرس جذوره. ومع الاستقرار، نشأ النظام الأبوي، وصار الرجل سيد الأرض والعائلة. لقد ربطت الزراعة الإنسان بالمكان والزمان، فظهر مفهوم “الملكية”، وتحوّل الاجتماع من رابطة عاطفية إلى نظام اقتصادي وسياسي. فبعد أن كانت الأم هي مركز الحياة، صار الأب هو رمز السلطة، وتحوّل الانتماء من رحم الأم إلى أرض الأب.

لكن هذا التحول لم يمحُ الأصل العاطفي للمجتمع، بل أخفاه تحت طبقات من العقل والتنظيم. فكل نظام اجتماعي مهما بلغ تعقيده، ما زال يحمل في جوهره بقايا من العائلة الأولى، من تلك الدفعة الأولى نحو الألفة التي جعلت الكائن البشري يتجاوز وحدته الحيوانية. وكأننا حين نبني المدن ونقيم الدول، إنما نحاول أن نعيد خلق رحمٍ جديد نختبئ فيه من عراء الوجود.

لقد مرّ المجتمع البشري من الرضاع الطبيعي إلى الرضاع الرمزي؛ من التعلق بالأم إلى التعلق بالوطن، ومن الخوف من العدو الحيواني إلى الخوف من الآخر الإنساني. ومع كل مرحلة، تتغير الأشكال، لكن الحاجة إلى الانتماء تبقى ثابتة. فالمجتمع ليس بناءً من الحجر، بل هو ذاكرة من الحنين، ورغبة دائمة في تجاوز العزلة.

ولعلّ السؤال الفلسفي الذي يظل مفتوحًا هو: هل الاجتماع الإنساني حالة طبيعية أم حالة مصطنعة؟ هل يولد الإنسان اجتماعيًا بالفطرة، أم يُجبر على الاجتماع خوفًا من الموت؟ يبدو أن الجواب يحمل التناقض ذاته الذي يحمله الإنسان في داخله؛ فهو يجتمع ليحتمي من الآخر، ثم يصنع من هذا الآخر شرطًا لوجوده.

وهكذا، يمكن القول إن نشأة المجتمع البشري هي قصة عبورٍ من الغريزة إلى المعنى، ومن الضرورة إلى القيم. فالإنسان لم يصبح “إنسانًا” إلا حين تعلّم أن يعيش مع غيره، وأن يرى في الغير مرآةً لذاته. لقد بدأ الاجتماع من رحم الحاجة، لكنه انتهى إلى وعيٍ بالإنسانية، إلى إدراك أن البقاء لا يكون إلا معًا، وأن “الأنا” لا تكتمل إلا بـ”النحن”.

إقرأ المزيد:  تأملات في مفهوم الشعبوية: السلطة، الهوية، وإشكالية الإرادة الجماعية