النهضة الإسلامية وإشكالية الخيال السياسي المعاصر

“إن النهضة لا تولد من استدعاء الماضي كما كان، وإنما من القدرة على تخيّل ما لم يكن بعد؛ فالأمم التي تعجز عن تجديد خيالها، تعجز عن تجديد تاريخها وبناء نهضتها.”

هل يمكن للنهضة الإسلامية أن تتحقق دون أن تُعيد تخيّل ذاتها؟ وهل يمكن لعقلٍ سياسيٍّ يعيش تحت وطأة الذاكرة أن يصنع مستقبلاً خارج حدودها؟ وهل يكفي استحضار التراث لتجاوز أزمات الحداثة، أم أن الأمر يتطلب انبعاث في الخيال قبل أي إصلاح في المؤسسات؟ تُطرح مسألة النهضة الإسلامية اليوم لا بوصفها استعادةً للماضي، وإنما كسؤال عن إمكان تجديد الخيال السياسي في زمن انكمش فيه الأفق الرمزي وفقدت المجتمعات الإسلامية قدرتها على تخيّل مستقبلها خارج نموذج القومية الضيق أو خطاب الهوية المغلقة. فالفكر الإسلامي الحديث، منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى مالك بن نبي ومحمد إقبال، حاول أن يبعث “روح التاريخ الإسلامي” في مواجهة التفكك الحضاري والاستعمار الثقافي، غير أنّ محاولات النهضة اصطدمت بحدود الخيال نفسه، إذ بقيت محصورة بين حنينٍ للماضي وخوفٍ من الحاضر.

في ضوء فكر راؤول جيراردي، يمكن القول إنّ أزمة النهضة ليست أزمة نصوص، وإنما أزمة خيال سياسي معطوب لم يعد قادراً على إنتاج رموز جامعة “أسطورة”. فالمجتمعات التي فقدت قدرتها على تخيّل نفسها فقدت كذلك طاقتها الإبداعية في التاريخ. ولأنّ النهضة فعل تخيّل قبل أن تكون مشروعاً عملياً، فإنّ المطلوب هو إعادة بناء صورة الإنسان المسلم لا بوصفه تابعاً لتاريخ منجز، وإنما صانعاً لزمن جديد “فاعل في التاريخ”. هكذا، يصبح الخيال السياسي فعلاً تأسيسياً، يربط بين الماضي كذاكرة والمستقبل كمصير.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ النهضة لا تقوم إلا على أسطورة تعبّر عن إرادة جماعية قادرة على تحريك الجماهير. لأن كل حركة تاريخية كبرى احتاجت إلى “أسطورة ثورية” كما عبر عنها جورج شوريل التي تعيد صياغة المعنى الجمعي وتمنحه بعداً نضالياً. كما أن النهضة الإسلامية تحتاج إلى أسطورتها الجديدة: لا بمعنى الأسطورة الوهمية، بل بمعنى الصورة الملهمة التي تفتح أمام الأمة أفقاً للتحرر من العجز والاغتراب. على سبيل المثال لا الحصر: إنّ رموزاً كبيت الحكمة، أو دولة المدينة، أو فكرة الأمة الواحدة، يمكن أن تُعاد قراءتها بوصفها إمكاناتٍ رمزية لبناء معنى جديد للوجود السياسي والفكري الإسلامي.

إقرأ المزيد:  يوسف بن تاشفين: حينما يتحوّل التاريخ إلى امتحان فلسفي للسلطة والواجب الأخلاقي

وفي أفق أنطونيو غرامشي، لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح دون امتلاك هيمنة ثقافية تُعيد تعريف المفاهيم الأساسية للسلطة والمعرفة والحرية. فالنهضة لا تولد من الصراعات السياسية أو الشعارات البراقة، وإنما من صراع طويل على المعاني داخل الحقول الثقافية والتعليمية والدينية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الفكر الإسلامي الحديث: فبينما حاول المصلحون إعادة بناء المؤسسات السياسية، أهملوا البنية الثقافية التي تنتج الوعي وتطلق عنان العقل. وبهذا، فالنهضة الحقيقية تبدأ من استعادة المعنى في اللغة، في المدرسة، في الفن، وفي الخطاب الديني نفسه، أي من إعادة بناء الحسّ المشترك الذي يمنح الجماعة رؤيتها للعالم ولنفسها.

تاريخياً، يمكن تلمّس هذه البذور في مشاريع فكرية حاولت الجمع بين الوعي الأسطوري والخيال السياسي، مثل تجربة محمد إقبال الذي دعا إلى “إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام” بوصفه مشروعاً لتحرير الإنسان من الخضوع للجمود الروحي والسياسي. فقد رأى إقبال أنّ الوحي لا يُغلق التاريخ، بل يفتحه على احتمالات لا تنتهي، وأنّ النهضة ليست تكراراً للأصل، وإنما استئنافٌ للخلق الإلهي في التاريخ من خلال الفعل الإنساني المبدع. إنّ هذا التصور يجعل الخيال السياسي امتداداً للقدرة الإلهية في الإنسان، أي فعلَ مشاركة في صناعة المعنى والقدر.

في الأخير، يتبيّن أنّ النهضة الإسلامية، في جوهرها، ليست مشروعاً تقنياً لإصلاح النظام السياسي، وإنما تحوّل في الوعي الجمعي يعيد وصل الإنسان إلى مصدر المعنى، ويحرّره من استلابين متقابلين: استلاب الماضي “التراث” واستلاب الحاضر “الحداثة”. كما أن النهضة لا تتحقق إلا حين يتحوّل الخيال من فضاء للماضي إلى أفقٍ للمستقبل، وحين تُصبح الأسطورة طاقةً للخلق لا ملاذاً للهرب. فكما أن الحضارة الإسلامية الأولى بدأت بخيالٍ “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، فإنّ النهضة الجديدة لن تبدأ إلا بخيالٍ يعيد للإنسان المسلم قدرته على الحلم والفعل معاً.

إقرأ المزيد:  الثورة الصناعية من منظور الجنوب: نقد فلسفي لتاريخ التقدّم والهيمنة