فلسفة السقوط: قراءة خلدونية في انهيار بغداد وتحلّل العمران

«وضاقت الأحوالُ على المستعصم فأسقطَ أهلَ الجند… فاضطرب الناسُ وضاقت الأحوالُ وعظم الهرجُ ببغداد، ووقعت الفتنُ بين الشيعة وأهل السنّة… وزحف هولاكو إلى بغداد فاستباحها واتصل العيث بها أيّامًا»

عبد الرحمان بن خلدون، العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر.

كيف تسقط مدينة مثل بغداد وهي التي كانت قلب الدنيا ودار الخلافة وموئل العلم؟ وكيف يتحوّل مركز الحضارة إلى مسرح خراب تتكدّس فيه الجثث وتُرمى الكتب في النهر حتى يسود لونه؟ وكيف يصبح التاريخ لحظة واحدة تختصر انكسار قرون طويلة من العمران؟ هذه الأسئلة تفتح باب القراءة في سرد ابن خلدون لسقوط بغداد عام 1258، لا بوصفه خبرًا تاريخيًا، وإنما بوصفه تحليلًا لآليات الانهيار التي تعمل في صمت قبل أن تتحول إلى صوت السيوف على أسوار الحضارة.

يقدّم ابن خلدون رؤيته من خلال لغة تستبطن فلسفة كاملة عن العمران وكيف يتفكك، إذ يسجّل في تاريخه أنّ الفتن ببغداد كانت “لا تزال متصلة بين الشيعة وأهل السنة، وبين الحنابلة وسائر أهل المذاهب، وبين العيارين والدعار والمفسدين مبدأ الأمراء الأول”. هذا الوصف لا يقدمه كتسجيل حادثة، بقدر ما هو علامة على أن المدينة كانت تعيش حالة من الانقسام الداخلي الذي يضرب جذور العصبية الجامعة. فالمجتمع الذي ينقسم إلى طوائف متنافرة لا يعود قادرًا على حمل الدولة، وتفقد السلطة مركز ثقلها، ويتحوّل المجال العام إلى أرض صراع دائم يتآكل فيه الإطار الذي يحمي المجتمع من ذاته.

ومن أخطر ما يشير إليه ابن خلدون أنّ الأحوال ضاقت على المستعصم -الخليفة العباسي- حتى “أسقط أهل الجند وفرض أرزاق الباقين على البياعات والأسواق وفي المعايش”. فإسقاط الجند ليس تدبيرًا ماليًا كما قد يظهر، لأن الجند يمثلون القوة التي تستند إليها الدولة، وهم في فلسفة ابن خلدون الامتداد العضوي للعصبية التي تحمل الملك. فإذا فقد الحاكم ثقته في جنده، أو حمّل قوتهم الاقتصادية فوق ما يطيقون، فإن ذلك يعكس اهتزاز بنيان الحكم، ويشير إلى تراجع القدرة على الدفاع عن حدود المدينة أو حتى عن داخلها. ولهذا لم يكن غريبًا أن ينهار العسكر في أول لقاء مع المغول، إذ يقول ابن خلدون إن المسلمين “انكشفوا أولًا” بعد أن تذامر المغول وعادوا للصدام، فسقطت خطوط الدفاع كأنها لم تقم.

إقرأ المزيد:  الكتابة عن المهمَّشين بوصفها ضرورة فلسفية وأخلاقية في مساءلة المعرفة والعدالة والسلطة

ويبرز ابن خلدون أيضًا أثر التمزق المذهبي والسياسي من خلال قصة الوزير ابن العلقمي، فحين يذكر أنّ “الوزير مؤيد الدين بن العلقمي من الشيعة” وأن الفتن بين الشيعة والسنة في الكرخ بلغت حدًا جعل الوزير يغتاظ حين نهب الدوادار بيوت أهل الكرخ، فإنه يلمّح إلى أن السلطة السياسية لم تعد قادرة على توليد الإجماع. وهذا الانقسام يجعل الخيانة، أو التعاون مع الخارج، أمرًا متوقعًا لا يحتاج إلى تفسير خارج سياق التفكك الاجتماعي. ولذلك لم يتعامل ابن خلدون مع رواية مراسلة الوزير لهولاكو بوصفها صدفة، وإنما بوصفها نتيجة طبيعية لانهيار الرابط الجامع بين طوائف المدينة وانحسار معنى الدولة في نفوس أهلها.

ولا يقدّم ابن خلدون هولاكو بوصفه قوة استثنائية، بقدر ما يعرضه كغريم وجد الطريق ممهّدًا، فقد كان منشغلًا بفتح الريّ وأصفهان وهمذان وتتبع قلاع الإسماعيلية، حتى بلغه “كتاب ابن الموصلّا صاحب إربل” وفيه وصية من ابن العلقمي يستحثه على قصد بغداد ويهوّن عليه أمرها. هذا التفصيل يضيء فلسفة خلدون: العدو لا يصبح خطرًا إلا حين تنهار الخطوط الداخلية. لذلك لم يحتج هولاكو إلى معركة فاصلة، إذ يذكر ابن خلدون أنّه حين قارب بغداد “برز للقائهم أيبك الدوادار في العساكر فانكشف التتر أولًا وتذامروا فانهزم المسلمون”، وكأن الجيش قد استُنزف قبل أن يبدأ القتال، وكأن المواجهة كانت تحصيل حاصل لمرحلة طويلة من الضعف البنيوي.

ثم يأتي المشهد الأكثر قسوة في رواية ابن خلدون، حين خرج المستعصم إلى هولاكو “ومعه الفقهاء والأعيان فقبض عليه لوقته، وقتل جميع من كان معه”، ثم قُتل المستعصم “شدخًا بالعمد ووطئًا بالأقدام”. هذا التصوير يتجاوز التسجيل التاريخي، لأن ابن خلدون يريد أن يقول إن سقوط الرمز هو سقوط الدولة، وإن الأمير الذي لا يحمل عصبية تحميه يتحول إلى هيئة بلا معنى، فلا تنفعه صفته الدينية ولا مكانته الروحية.

إقرأ المزيد:  التاريخ والأدب: جدل الذاكرة والسرد في بناء المعنى الإنساني

وإذا كان المشهد السياسي بلغ ذروته بقتل الخليفة، فإن المشهد الحضاري بلغ ذروته بإلقاء الكتب في دجلة. يقول ابن خلدون إن خزائن العلم “كانت شيئًا لا يعبر عنه” وإنها ألقيت في النهر حتى تغيّر لون الماء. وهذا الفعل لا يُقرأ كعمل انتقامي فقط، وإنما كرمز لانقطاع السلسلة المعرفية التي شكّلت حاضرة بغداد عبر قرون. فالحضارة التي تفقد نظامها السياسي والاجتماعي لا تستطيع حماية ميراثها العلمي. والمعرفة من دون قوة اجتماعية تحميها تتحول إلى ترف يمكن القضاء عليه في يوم واحد.

في ضوء هذا كله، يظهر سقوط بغداد كأنه تجسيد لقانون تاريخي صاغه ابن خلدون لاحقًا في مقدمته: الدول تنهار حين تفقد العصبية التي تحملها، ويذوي عمرانها حين يتجاوز الترف قدرته على الصمود، وتضعف مؤسساتها حين تتراكم الفتن الداخلية وتطغى الخصومات على وحدة الجماعة. يقول في هذا الصدد: “إذا تَوَهَّنَتِ العصبيّةُ وَانقَطَعَتْ عُرَاها، وَتَخَلَّتِ الدَّولةُ عَن طَبيعَتِها، تَداعَتْ أركانُها وَانفَضَّ أهلُها عَنها، فيَسهُلُ على العَدوِّ دُخولُها”. وفي لحظة السقوط، لا يبدو الغزو الخارجي سببًا بقدر ما يبدو نتيجة، لأن المدينة التي تفقد مناعتها تفقد تاريخها معها.

في الأخير، هكذا يتحول سرد ابن خلدون إلى درس فلسفي في طبائع العمران، يكشف أن سقوط بغداد لم يبدأ عند أسوارها، وإنما بدأ حينما لم يعد ما يجمع أهلها أكثر مما يفرقهم، وحين انقطعت خيوط الولاء بين الحاكم وجنده، وحين صار الداخل أشد خطرًا من الخارج. وفي هذه القراءة، لا يكون الماضي مجرد ذاكرة، بقدر ما يصبح مرآة لتأمل كيفية ولادة الدول وكيفية فنائها، وما إذا كان التاريخ يملك قوانين قادرة على تكرار ذاتها متى تكررت عللها.