في الحاجة إلى برجوازية وطنية: نقد تاريخي لفشل التنمية في دول الجنوب

“لا ينهض وطن بلا قوة اجتماعية تمتلك جرأة الإنتاج بدل عادة الاستهلاك؛ فالأمم لا تبنى بالامتيازات، وإنما بالطبقات التي تربط ثروتها بمصير شعبها.”

كيف يمكن فهم الحاجة المتجددة اليوم إلى برجوازية وطنية في دول الجنوب؟ وهل يمكن لهذه الفئة الاجتماعية – التي كان يُفترض أن تقود مشروع التحديث والتحرّر الاقتصادي – أن تستعيد دورًا تاريخيًا أُجهِض مبكرًا؟ ثم كيف تحوّلت من قوة كان يُنتظر منها بناء الدولة الحديثة إلى عاملٍ ساهم، في كثير من الأحيان، في تكريس التبعية وإضعاف البنى الوطنية؟ هذه الأسئلة تفتح أفقًا فلسفيًا وتاريخيًا للنظر في مصير برجوازية الجنوب، وما إذا كان تفكّكها أحد أهم أسباب تعثّر مشاريع النهضة في العالم العربي والأفريقي والآسيوي.

منذ القرن التاسع عشر، حينما بدأت موجات “التحديث القسري” في المستعمرات، كانت القوى الاستعمارية تدرك خطورة نشوء برجوازية محلية مستقلة تمتلك رأسمالًا اقتصاديًا ورمزيًا يؤهلها لقيادة مسار التنمية في البلدان المستعمرة. لذلك ركّزت سياساتها على إنتاج طبقات وسيطة مرتبطة بالمركز، تعتمد في ثروتها على خدمات غير منتجة، وعلى الامتيازات التي يمنحها المستعمِر، لا على قاعدة صناعية أو زراعية وطنية. وقد أشار فرانتز فانون في كتابه “معذبو الأرض” إلى هذا الواقع بوضوح حين كتب: “البرجوازية في المستعمرات برجوازية بلا مشروع، تستورد أنماط العيش ذاتها التي يستخدمها المستعمِر، وترفض أن تبتكر شيئًا بحجم حاجات شعبها.” هذا الوصف، وإن كتب في سياق خمسينيات القرن العشرين، ما زال يعبّر عن مأزق دول الجنوب حتى اليوم.

تاريخيًا، كانت نشأة البرجوازية الأوروبية مرتبطة بصعود التصنيع، وتراكم رأس المال، وتوسّع الأسواق، ما أهّلها لقيادة الثورات السياسية في أوروبا خلال القرن 19م وبناء الدولة الحديثة. أما في الجنوب، فقد كان مسار التشكّل مختلفًا: فبدل أن تتكوّن برجوازية صناعية، ظهرت برجوازية تجارية ووسيطة، تعتمد على الاستيراد والسمسرة والتعاقد مع الشركات الأجنبية. وبذلك لم يعد الهدف تطوير اقتصاد محلي مستقل، وإنما الاندماج في شبكة التبادل غير المتكافئ التي تربط الأطراف “الهامش” بالمركز. يشير سمير أمين إلى هذا بدقّة في كتابه “الإمبريالية والتنمية غير المتكافئة” عندما يقول: “برجوازية الجنوب وُلدت خاضعة، وما إن حاولت النهوض حتى اصطدمت بجدار البنية العالمية التي تمنع صعود أي مركز جديد”.

إقرأ المزيد:  التحولات الكبرى للوعي البشري: بين المعرفة، التقنية، والوجود

إن هذه الطبقة، التي افتقرت إلى الأسس التاريخية التي جعلت نظيرتها الأوروبية قادرة على قيادة مشروع التحديث، لكن برجوازية الجنوب لعبت مع مرور الوقت دورًا يُناقض وظيفتها الأصلية. فقد تحوّلت إلى برجوازية تابعة، تُعيد تدوير الثروة عبر القنوات ذاتها التي تضمن استمرار ارتباط الاقتصاد الوطني بالشركات العابرة للقارات “الاحتكارات الرأسمالية”. وبذلك لم تنشأ صناعة وطنية قادرة على خلق القيمة المضافة، لأنها لم تطور زراعة إنتاجية مستقلة، كما أن البنية الاقتصادية بقيت تعتمد على استيراد السلع وتصدير المواد الخام.

علاوة على ذلك، لم يقتصر الإشكال على البعد الاقتصادي، لكنه امتد إلى البعد الثقافي والسياسي. فقد أصبحت هذه البرجوازية – كما يصفها عبد الله العروي – طبقة معلّقة بين نموذجين: لا هي قادرة على تقليد أوروبا تقليدًا كاملًا، ولا هي راغبة في الاندماج في البنية التقليدية لمجتمعها. هذا التمزّق جعلها تميل إلى الحفاظ على الامتيازات بدل الدخول في صراع لبناء دولة ديمقراطية قوية. ومع مرور العقود، صار دورها السياسي يتمحور حول التفاوض مع الدولة الريعية، لا حول قيادة مشروع استقلال اقتصادي عن المركز “الغرب”.

إن الحاجة إلى برجوازية وطنية اليوم لا يعتبر حنينًا إلى “طبقة مخلّصة”، بقدر ما هو تفكير في ضرورة وجود فاعل اجتماعي قادر على الدفع نحو تنمية مستقلة. لأن الدولة الوطنية وحدها لا تستطيع بناء اقتصاد قائم على الإنتاج والابتكار والابداع من دون قطاع خاص وطني يمتلك رؤية استراتيجية، ويقطع صلته بالتبعية البنيوية التي ورثها من الحقبة الاستعمارية. إن المطلوب – كما يشير أمارتيا سن في كتابه “التنمية كحرية” – هو “قدرة المجتمعات على تحويل الحرية الاقتصادية إلى مشروع تحرّر اجتماعي”، وهو أمر لا يتحقق من دون طبقة منتجة تحمل مشروعًا يتجاوز الربح السريع والامتيازات الريعية، إلى دعم البحث العلمي والتعليم كما فعلت البورجوازية الغربية.

إقرأ المزيد:  المهمشون في التاريخ.. صُنّاع التاريخ الذين ابتلعهم النسيان

في نقد أداء برجوازية الجنوب، تتكشف مفارقة مركزية: فهذه الطبقة كان يُفترض أن تكون جسرًا نحو بناء الدولة الحديثة، لكنها تحوّلت في الكثير من السياقات إلى عامل يعيد إنتاج الهشاشة. والسبب في ذلك يعود إلى غياب مشروع وطني مستقل، وإلى استمرار اقتصاد يقوم على الاستيراد، وإلى الثقافة السياسية التي تفضّل السمسرة على الصناعة، والمضاربة على الإنتاج.

في الأخير، إن إعادة الاعتبار للبرجوازية الوطنية ليست مهمة تاريخية منتهية، بقدر ما هو ضرورة لفهم أسباب الفشل التنموي في الجنوب. لأنه بدون طبقة اقتصادية تحمل مشروعًا وطنيًا، سيظل الاقتصاد رهينة الشركات الأجنبية، وسيظل التحديث ناقصًا، والدولة ضعيفة، والتنمية شكلية. لذلك فإن إعادة بناء هذه الطبقة – فكريًا ومؤسساتيًا – قد يكون أحد الشروط الأساسية للخروج من دائرة التبعية، ولإعادة كتابة تاريخ النهضة في الجنوب بجيل جديد من الفاعلين القادرين على الإنتاج بدل الوساطة، وعلى التغيير بدل إعادة تدوير التخلف بمسميات جديدة.