الاقتصاد السياسي والعمران في فكر ابن خلدون: قراءة فلسفية معاصرة

“كل حضارة تبدأ بفكرة، وتمتد بإرادة، ثم تنهار حينما تفقد قدرتها على مساءلة ذاتها.”

ما الذي يمنح الدولة قوتها الحقيقية؟ وهل يمكن لسلطة سياسية أن تستمر حين يختلّ أساسها الاقتصادي؟ وكيف تتحدد علاقة الحاكم بالأسواق، وهل يتحول تدخل الدولة في المعاش إلى رافعة للنمو أم إلى مقدّمة للانهيار؟ ثمّ ما موقع الثقة والعدل في حركة الثروة، وهل يقدر الاقتصاد على الازدهار إذا عاش الناس تحت وطأة الخوف أو عدم الاطمئنان لسياسة الجباية؟ يقدّم ابن خلدون علاقة السياسة بالاقتصاد بوصفها علاقة عضوية تُنتج العمران وتضمن تماسكه. فالدولة عنده لا تُفهم إلا من خلال أوضاعها المالية، والاقتصاد يمثل الأساس الذي تستند إليه السلطة. ويشرح في «المقدمة» أنّ مراحل الدولة تتبدّل مع تبدّل حاجاتها، إذ يقول: “اعلم أنّ الدّولة تكون في أوّلها بدويّة… فيكون خرجها وإنفاقها قليلا… ثمّ تأخذ بدين الحضارة في التّرف وعوائده… فيكثر خراج أهل الدّولة ويكثر خراج السّلطان.”، هذا التحليل يجعل الاقتصاد مركز النظرية السياسية، ويكشف أنّ العدل في الجباية وحسن تدبير المال شرط أساسي لازدهار المجتمع واستمرار سلطان الدولة.

يتأسس تحليل ابن خلدون على رؤية تفصيلية لأثر تدخل الدولة في السوق، حيث يرى أنّ دخول السلطان في التجارة والفلاحة يزعزع الثقة التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي. يقول: “وأمّا غير ذلك من تجارة أو فلج فإنّما هو مضرّة عاجلة للرّعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة”. هذا الحكم يشي بأنّ الاقتصاد عنده نظام دقيق يقوم على الحرية النسبية للمبادرة الفردية، وأنّ السلطة حينما تستعمل قوتها للشراء أو الاحتكار تُحدث خللًا في دورة الإنتاج، فينقبض التاجر ويضعف الفلاح وتنحدر الجباية.

تُظهر هذه الرؤية تقاطعًا لافتًا مع تصورات عدد من المفكرين الاقتصاديين والسياسيين المعاصرين. فقد اعتبر فريدريش فون هايك أنّ التجربة الاقتصادية لا تعمل بفعالية تحت ضغط الدولة، إذ إنّ “السوق منظومة معقدة تتطلب اتساق المبادرات الفردية دون تدخل قسري من السلطة”. ويتلاقى ذلك مع تحليل آدم سميث الذي رأى أنّ الاقتصاد يستند إلى “المصلحة الخاصة” التي تتحرك في فضاء من الثقة والضمانات المؤسسية، حيث عدّ “أمن الملكية من أعظم شروط ازدهار الأمم”. هذا المعنى قريب من قول ابن خلدون إنّ الفلاح والتاجر إذا أحسّا بالغُرم انصرفا عن العمل، فانحط العمران وتراجعت الجباية.

إقرأ المزيد:  غزوة الأحزاب: الزلزال الاستراتيجي الذي أعاد تشكيل ميزان القوة

ويدرك ابن خلدون أنّ الاقتصاد ليس نشاطًا آليًا، بقدر ما هو منظومة تستند إلى حالة نفسية جماعية تقوم على الانشراح والاطمئنان. يقول: “فبذلك تنبسط آمالهم وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها فتعظم منها جباية”، مما يدلّ على وعيه العميق بدور المناخ السياسي في تنشيط الاقتصاد. ويقارب هذا المفهوم ما يطرحه أمارتيا سن حين يؤكد أنّ التنمية قبل أن تكون نموًا في الناتج هي “توسيع لقدرات الإنسان وإمكاناته”. فحين يتعرض الفرد لتهديد اقتصادي من قبل السلطة، تضيق قدرته على المبادرة، فتتراجع الإنتاجية وتنهار قاعدة الثروة.

تتجلّى العلاقة بين السياسة والاقتصاد أيضًا في ظلّ تحليل ابن خلدون لدورة العمران، فحين تتوسع نفقات الحكم وتتراكم أعباؤه، ترتفع الضرائب، وتزداد المكوس، ويتدخل السلطان في التجارة بحثًا عن موارد إضافية. ويصف ابن خلدون هذا المسار بقوله: “فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة ذهبت الجباية جملة أو دخلها النقص المتفاحش”. هذا النص يؤسس لفكرة تُعدّ ركنًا أساسيًا في الاقتصاد السياسي الحديث، حيث يشير جوزيف شومبيتر إلى أنّ الدولة التي تُثقل المجتمع بالجباية تنتهي إلى “إتلاف القاعدة الضريبية ذاتها”، فتتراجع القدرة المالية وتضعف مؤسسات الحكم.

كما يتقاطع ابن خلدون مع تحليل ميشيل فوكو حول “عقلانية الحكم”، إذ يرى فوكو أنّ الدولة لا تكتسب فعاليتها من تراكم القوة، وإنما من قدرتها على تنظيم المجال الاقتصادي والاجتماعي بطريقة تحافظ على استمرارية الإنتاج وتدفق الثروة. وفي هذا الإطار تبدو رؤية ابن خلدون استباقية، إذ يقدم نموذجًا سياسيًا يرى أنّ اقتصاد الرعية هو أساس قوة الدولة، وأنّ أي سياسة تزعزع هذا الأساس تتحول إلى عامل انهيار.

وتكشف المقارنة بين ابن خلدون وعدد من الفلاسفة السياسيين والاقتصاديين أنّ المبادئ الكبرى التي صاغها في القرن الرابع عشر ما تزال حاضرة في النقاش المعاصر حول الدولة والسوق. فالتوازن بين السلطة والثروة، والعدل كأساس لدوام الجباية، والثقة شرط للنشاط الاقتصادي، والتحذير من توسيع دور الدولة في الإنتاج…، هي أفكار تنتمي إلى بنية الاقتصاد السياسي الراهن بقدر ما تنتمي إلى نظريته في العمران.

إقرأ المزيد:  هوامش المدن.. فلسفة الظلال على أطراف الحضارة

في الأخير، تتجلى فلسفة ابن خلدون بوصفها مشروعًا يربط السياسة بالاقتصاد من خلال مفهوم العمران: الدولة تنمو بازدهار المجتمع، والاقتصاد يقوى بالعدل، والعمران يتأسس على اتساق المبادرات الفردية في فضاء آمن. وإذا فقد أحد هذه العناصر انتظامه تفككت الدورة العمرانية، ودخلت الدولة في مسار تراجعها. هذه الرؤية تجعل ابن خلدون مفكرًا يسبق زمنه، وتمنح نظريته قدرة على تفسير تحولات السياسة والاقتصاد عبر العصور.