بعد سنوات من استقلال المغرب سنة 1956. لم يكن الزمن داخل الوطن يشي برغد عيش أو بعبارة أدق؛ كان الواقع مأزوم والمستقبل ملغوم. وبعيدا عن تلك الانقلابات التي قادها العسكر أمام رئيس أركانهم وملكهم في الآن ذاته الحسن الثاني، كان المغرب في الهوامش والمداشر يرزح تحت وطأة الفقر، قبل أن يغني الفنان الملتزم أغنيته عن عبد الكريم الخطابي والتي كان في مطلعها “تحت نير الاستعمار”.
ما بين سنتي 1958-1959 عرف الريف أول انتفاضة والتي تمركزت في الريف، أكثر تحديدا الحسيمة والناظور حيث كانت الاحتجاجات بسبب الاقصاء والتهميش الذي أحس به أبناء عبد الكريم الخطابي. في تلك الأثناء لم تكن الفرق الغنائية قد برزت. ولم يجد المغاربة من كلمات تعبر عنهم إلا الزجل الذي مازال صداه يتردد بين الفينة والأخرى.. بعد انتفاضة التلاميذ والمدارس التي قوبلت بالمتاريس والبنادق، سنة 1965. عرف الشارع السياسي المغربي تحولا نوعيا حيث شرع بعض الطلبة وقتها إلى القطيعة مع الأحزاب السياسية وقتها، وبدأ تشكل النواة الماركسية اللينينية عبر مجموعات من بينها (إلى الأمام – 23 مارس – لنخدم الشعب …). ولأنه من قاع التهميش يولد الابداع، تأسست الفرقة الغيوانية “ناس الغيوان” سنة 1970 معلنة ميلادها من درب الحي المحمدي بالبيضاء. وأمام الاضطرابات الاجتماعية والمستقبل المقلق تساءل “ناس الغيوان” من خلال أغنتيهم الصادرة سنة 1973 بعنوان “فين غادي بيا خويا” ضمن ألبوم “الأسطوانة الذهبية”. وقبل أن يصعد نجم إدريس البصري تغنى ناس الغيوان بالغد الآتي عبر أغنيتهم “الشمس الطالعة” سنة 1977، إضافة الى أغنية لبطانة سنة 1979، تلك الأغنية التي نعرفها من خلال الخشبة حينما قيل “عايشين عيشت الذبانة فالبطانة.. واش الفرق بينك نتا ونتا وانا”.
وبعد تقلد إدريس البصري بسنتين مفاتيح وزارة الداخلية والاعلام أيضا، خرجت للشارع العام انتفاضة الجياع. سنة 1981، أو هي ما يعرف داخل الأوساط المغربية ب”انتفاضة الكوميرا”. في سياق الهجوم الذي نحى أغلب الماركسيين اللينينيين، إضافة الى قمع الشوارع الذي قوبل بالدم والمدافع تغنى الفن الملتزم عبر أغنية “اشهد يا حزيران في يومك العشرين” وهي كلمات لعلال ثبات قبل أن يتغنى بها مجموعة من الفنانين الملتزمين أصحاب النزعة اليسارية من بينهم سعيد المغربي وجواد لخضر لاحقا. ثم في تلك السنة في الضفة الأخرى بفرنسا سجل ناس الغيوان أغنيتهم التي مازالت مستمرة وتعبر عن واقع حال ممتد “مهمومة”.
لم يبقى الحال على حاله، فقد اشتد بطش وزارة الداخلية، وأجهز النظام آنذاك على كل معارض ولم تسلم الحركة الطلابية من الأمر هي الأخرى.. في خضم بطش اليد التي تضيق الخناق تغنت “مجموعة حنظلة” في فرنسا هي الأخرى بمجموعة من الأغاني كان أبرزها الأغنية التي بدأت من كلمات شعبية “أشتاتا تا تا أوليدات الحراثة”، إضافة إلى ذلك أغنية تعبر عن تلك الرسائل التي يبعثها المناضلين من السجن في أغنتيهم المعنونة ب “السجن المركزي”. وأمام هذا الواقع تغنى أيضا الفنان الملتزم سعيد المغربي ب”المحاكمة أو الأم الوطن” تلك الكلمات التي كانت تحكي عن واقع الأمهات وهن يتلقين خبر اعتقال أبنائهم، كما وصفت أغنية “حمادي” للمجموعة السالفة الذكر حنظلة الأمر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد استمر الغناء الملتزم إلى حدود كتابة الأسطر عبر الأفراد (جواد لخضر) على سبيل المثال، والمجموعات (أولاد المبيت، الطلابية) كمجموعة وحيدة مازالت تغرد خارج السرب.
وكما قال الفنان الملتزم جواد لخضر “كلما كان الفن قريبا من الناس، كلما كتب له الخلود”. من مازال يتذكر ادريس البصري، خصوصا جيل زيد، ربما لا أحد يعرفه. لكن في ظل تردي الأوضاع مازال الجيل الذي عرف طوطو وموسيقى الواي واي يكتب “وا العربي وراه مزال مهمومة”.








