السلطان محمد بن عبد الله: تأسيس الوعي الأخلاقي وبناء الإنسان في سياق التحوّل التاريخي

“تولد اللحظات الفاصلة في التاريخ حينما ينهض إنسان بمعنى جديد، فيعيد ترتيب علاقتنا بالعالم، ويوقظ في الوعي قدرةً ظنّها الناس قد خمدت؛ قدرة البحث عن الحقيقة وسط الفوضى، وبناء الأخلاق وسط الانهيار، وصياغة أفق ينهض من قلب اليأس.”

في عصرنا الراهن يُطرح السؤال الفلسفي حول شخصية سيدي محمد بن عبد الله من زاوية تتجاوز السرد التاريخي: كيف أمكن لرجلٍ يجلس على عرش السلطان أن يتحوّل، في الوقت نفسه، إلى عالمٍ ومصلحٍ ومحدّث؟ وهل يُمكن أن تجتمع السلطة السياسية مع المعرفة العميقة دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟ ثم ما الذي يجعل تجربة هذا السلطان تجربة فرادة في تاريخ المغرب والعالم الإسلامي؟ إنّ شخصية السلطان محمد بن عبد الله (ولد بمكناس سنة 1134 هـ / 1710م – توفي بمكناس سنة 1204 هـ /1790م)، كما تقدم المصادر، تقدم حالةً فكرية معقدة تُجسِّد التصادم القديم بين العلم والسلطة، ثم تتجاوزه نحو إمكان نادر: سلطةٌ تجد في المعرفة أساس شرعيتها، ومعرفةٌ تزيد السياسة حكمة ورشداً. لذلك فإن مقاربة هذه الشخصية فلسفياً تقتضي النظر إليها كـ نموذج أنثروبولوجي وسياسي وفكري، جسّد تناغماً غير معهود بين الإبداع العلمي ومهام الحكم.

لم يتشكّل نبوغ محمد بن عبد الله من فراغ، وإنما بُني على ثلاث طبقات أساسية:

  • التربية داخل بيت الحكم: حيث تتقاطع السياسة بالعلم، ويتجوّل الصبي بين دائرة العلماء ودائرة الفقهاء والكتّاب.
  • الرعاية الاستثنائية التي حظي بها من جدته خناثة بنت بكار: وهي من أبرز نساء الدولة العلوية علماً وسياسة، وكانت رحلته معها إلى الحجاز حدثاً مؤسِّساً: تواصلٌ مبكر مع علماء مصر والحرمين، ووعيٌ بالمدارات الكبرى للمعرفة الإسلامية.
  • تشكل الوعي الأدبي والتاريخي: من خلال ولعه بالقصائد الشعرية، مما مكّنه من ثراء لغوي وثقافي يندر أن يحوزه وليّ عهدٍ في تلك المرحلة.
إقرأ المزيد:  الشرق الأوسط على حافة الانفجار: من الصراع الإيراني- الصهيوأمريكي إلى تهديد النظام العالمي وسلاسل الطاقة

غير أنّ نقطة الانعطاف الفلسفي في مساره المعرفي هي وعيه ـ بعد توليه السلطة ـ بأن العلوم التي انشغل بها في صغره ليست هي العلوم التي تُصلح الأمم، وهو ما عبّر عنه بقوله النادم لابنه: “تركنا القرآن والتفسير والحديث حتى حصلت الندامة”. هذه الجملة وحدها تختصر مشروعاً كاملاً: انتقال من معرفة الزينة إلى معرفة البناء؛ من الأدب بوصفه متعة إلى الحديث بوصفه منهجاً لتقويم المجتمع.

إن الظرف التاريخي الذي تولّى فيه محمد بن عبد الله المسؤولية كان ظرفاً مضطرباً: فتن داخلية، تهديدات خارجية، هشاشة في بنية الدولة. ومع ذلك، لم يُنتج هذا الوضع سلطاناً مستبداً، وإنما أنتج عقلاً إصلاحياً يعي أنّ السياسة لا تستقيم من غير مشروع معرفي. على المستوى الخارجي، اختار خطاب الوحدة الإسلامية، فربط الصلة بالخلافة العثمانية لا طلباً للقوة، بل تأسيساً لرؤية أوسع من حدود المغرب الجغرافية. ورفض إقامة علاقات مع روسيا لأنها في حرب مع المسلمين، فكان وعيه السياسي امتداداً لوعيه الديني. وعلى المستوى الداخلي، تبنى رؤية إصلاحية في القضاء والتعليم والعدل، تنطلق من إعادة بناء “العقل الفقهي” للمجتمع، من خلال:

  • دعوة القضاة إلى ترك المختصرات والعودة إلى الأصول.
  • إلزام العدول بالدقة في الشهادات.
  • إصلاح القرويين عبر العودة إلى كتب الأقدمين، لا إلى المتون المختصرة التي تُجمّد العقل.
  • الدعوة إلى العناية بالحديث والتفسير واللغة لأنّها مفاتيح الفهم الديني.
  • نقد علم الكلام المتأخر وإيثار العقيدة السلفية التقليدية على التعقيد الكلامي والفلسفي.

من خلال هذا، لم يكن الإصلاح عند سيدي محمد بن عبد الله مجرد إجراءات إدارية، بقدر ما كان إعادة بناء للعقل الديني المغربي من الداخل.

يمثل الجانب الفقهي في شخصية السلطان أعقد وأغنى أبعادها. ذلك أنّ علم الحديث ـ كما يشرح ابن السبكي ـ علمٌ يحتاج إلى التفرغ، والحفظ، والتمييز بين الروايات، والنظر في الرجال والعلل. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف إذن اجتمع هذا العلم الصعب مع أعباء الحكم؟ هنا تتجلى فرادة الرجل: فقد أدرك أنّ إصلاح المجتمع يمر عبر إصلاح مصادره النصية، وأنّ الحديث لا يعتبر مجرد تراث، وإنما بوصلة للعقل الفقهي والاجتماعي. تتجلى ملامح مشروعه في:

  • عقد مجالس حديثية يحضرها كبار العلماء من المغرب.
  • تكليف نخبة من الأئمة بشرح كتب أساسية كـ مشارق الأنوار.
  • إدخال مسند أحمد ومسندي أبي حنيفة والشافعي إلى المغرب لأول مرة.
  • تأليف كتب رائدة، أهمها الفتوحات الإلهية، الذي جمع فيه الأحاديث المتفق عليها بين الأئمة الستة.
إقرأ المزيد:  الحب كفعل مقاومة للعدم: قراءة فلسفية في رواية الحب في زمن الكوليرا

لقد كان الرجل يعي أنّ المغرب، بسبب بعده الجغرافي عن المشرق، ظل ضعيف الصلة بعلوم الحديث، فعمل على وصل السلسلة من جديد، وتأسيس بنية حديثية جديدة داخل الدولة. وهذا المشروع العلمي، من زاوية فلسفية، يعكس تحوّلاً وجودياً في وعي السلطان: من “ممارسة الحكم” إلى “خلق معنى للحكم”.

في الأخير، إنّ السلطان محمد بن عبد الله لا يمكن اعتباره سلطان فقيه وفقط، وإنما هو تمثيل نادر للقاء بين العقل والسلطة. وقد استطاع، في زمنٍ يموج بالاضطراب، أن يجعل من المعرفة أساساً للإصلاح، ومن الحديث منهجاً لإعادة بناء الدولة، ومن التربية العلمية أداةً لضبط المجتمع وتطوير وعيه. لذلك يمكن القول إنّ الرجل قدّم نموذجاً خاصاً في الفلسفة السياسية الإسلامية، يمكن صياغته في معادلة ثلاثية: العلم أساس السلطة، والسلطة خادمة للإصلاح، والإصلاح مشروع معرفي قبل أن يكون مشروعاً سياسياً. وبذلك يبقى السلطان محمد بن عبد الله واحداً من أولئك الحكّام الذين استطاعوا أن يكتبوا أسماءهم لا في سجلات الدولة فحسب، وإنما في سجل تاريخ المعرفة.