“الدين يوسع مدركات العقل، إذ بفضل الدين بات العقل قادرا على أن يدرك نهاية التجريد، متمثلة في تصور ذات ينزع عنها جميع الخصائص المادية، مهما دق وصفها وخفي أمرها، وبات أيضا قادرا على أن يدرك نهاية الكمال، متجلية في ذات علية ليس كمثلها شيء”
طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية.
هل يمكن للنهضة أن تتحقق دون أن تنهض الأخلاق؟ وهل تستطيع أمة أن تدخل العصر، وهي لم تُدخل قيمها في صميم أفعالها؟ ثم هل يكفي استيراد الحداثة لتصبح المجتمعات حديثة، أم أن الحداثة روح قبل أن تكون شكلاً، وفعالية أخلاقية قبل أن تكون تقنية؟ هذه الأسئلة – التي تتردّد بصيغ مختلفة في كتابات الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن – تكشف عن عمق الرؤية التي يقترحها لإعادة بناء النهضة الإسلامية على أسس جديدة، تخرجها من ثنائية “التراث مقابل الحداثة”، لتدخلها أفقًا فكريًا يستعيد القيم ويُحرّر العقل ويُعيد للإنسان مركزية فعله ومعناه.
يعتبر طه عبد الرحمن أن أزمة العالم الإسلامي ليست أزمة سياسية أو اقتصادية في المقام الأول، بقدر ما هي – كما يعبّر مرارًا – أزمة “انسداد العقل” و”انقباض الأخلاق”. لأن العقل في نظره، فقد ملكته الإبداعية بسبب نماذج التفكير النقلية عن الغرب، والأخلاق انقبضت لأنها حُصرت في الوعظ المجرد، وفُصلت عن الفعل. هكذا، تنهض فكرة النهضة عنده على قاعدة أساسية: لا نهضة بلا تزكية، ولا تجديد بلا أخلاق، ولا عقل بلا قلب. وهذه القاعدة تعكس صيغته الشهيرة: “الفكر النظري والعمل الأخلاقي وجهين لعملة واحدة”.
يشدّد طه عبد الرحمن على أن النهضة تبدأ بتحرير اللغة والمفاهيم. لأن الأمم – في اعتقاده– تنهض حين تُبدع مصطلحاتها، وتضمحل حين تستورد “أدواتها الفكرية” من حضارات أخرى. إن أكبر خطأ وقعت فيه مشاريع النهضة العربية هو اعتماد مفاهيم وافدة مثل “الدولة المدنية”، “العقلانية”، “الحداثة”، “الديمقراطية” من غير إعادة تأصيل أو نقد. لذلك، دعا إلى صياغة معجم مفاهيمي جديد ينبع من الثقافة الإسلامية، لا ليعادي الحداثة، وإنما ليحاورها من موقع الندية لا التبعية. في هذا السياق يرى طه: أن النهضة ليست نقلَ مفاهيم، وإنما خلقُ معانٍ جديدة تَصدر عن الذات وتعود إليها.
يميز طه عبد الرحمن بين صورة الحداثة (مظاهرها التقنية) وبين روح الحداثة (مبادئها الأخلاقية والمعرفية). والخطأ – كما يرى – أنّ العالم الإسلامي اكتفى باستيراد الصورة دون الروح، فكانت النتيجة حداثة مشوّهة لا تنتج إنسانًا حرًا ولا مجتمعًا مبدعًا. يؤكد في كتابه “روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية” على أن: “المسار الحداثي الصحيح هو الابتداء بتحديث الأخلاق، يليه تحديث الأفكار، ثم تحديث المؤسسات فتحديث الآلات! فبدون مجاهدة للنفس، لا حرية للتفكير، وبدون هذه الحرية لا روح علمية، وبدون هذه الروح لا قدرة على الإدارة ولا على الاختراع”. وبذلك، تصبح النهضة الإسلامية مطالبة بأن تتفاعل مع الحداثة، لكن عبر استعادة القيم التزكوية التي أهملتها الحداثة الغربية، وأن تبني نموذجًا أخلاقيًا يدمج العقل والتقنية بالمعنى الروحي.
من أهم ما يميّز مشروع طه عبد الرحمن مفهومه الائتماني، الذي يقوم على أن الإنسان مؤتمن على العالم، وأن مسؤوليته الأخلاقية هي أساس كل فعل، لأن الإنسان لا يَملك الوجود، وإنما يُؤتمن عليه. هذه الرؤية تقترح نموذجًا أخلاقيًا للنهضة مبنيًا على ثلاث ركائز:
- تزكية النفس: لأن الإنسان الذي لم يغيّر ذاته لا يمكنه تغيير العالم.
- الإحساس الائتماني: المسؤولية الأخلاقية تجاه الله والناس والكون.
- التحرّر من الاستلاب: عبر العودة إلى الذات الثقافية بروح نقدية.
وبالتالي، فالنهضة تبدأ من الداخل، وليست مشروعًا خارجيًا مفروضًا من مؤسسات الدولة أو من النخب الأكاديمية.
وقف طه عبد الرحمن ضد الفصل بين العقل والقلب، بين الفكر والعمل، بين المعرفة والأخلاق. إذ يرى أنّ العقل إذا لم يُنر بالأخلاق يتحول إلى آلة، وإذا انفصل عن الفعل يصبح مجرد تنظير فارغ. وفي كتابه “فقه الفلسفة” يقول: “العقل العربي لم يتحقق، لا إيجادا ولا إمدادا، إلا بفضل الدين، شاء الخصوم أم أبوا، لأن هذه الحقيقة التي لا يتعامى عنها إلا مكابر للحس أو مناكر للعقل؛ علاوة على ذلك، فإن العقل، على العموم، لا يمكن أم ينفصل انفصالا كليا عن العقيدة، إذ العقيدة واحدة من حيث قيامها على مبدأ التسليم، يستوي في الأخذ به المعتقد الديني والمعتقد اللاديني”. ولذلك، فالنهضة ليست تنظيرًا عقليًا فقط، بقدر ما هي تربية وجودية تؤنسن العقل وتجعله دائم الاتصال بالقيم. ربط طه عبد الرحمن بين تجديد الفكر الديني وتجديد العقل الإسلامي، معتبرًا أن:
- أي نهضة بلا مراجعة دينية عميقة ستبقى مجرد قشرة.
- وأي إصلاح ديني بلا تأسيس فلسفي سيظل خطابًا وعظيًا غير فعّال.
ويرى أن الإحياء الأخلاقي للدين – وليس فقط تجديد الخطاب الديني – هو المدخل الأساسي لإطلاق مشروع نهضوي.
لم يكن فكر طه عبد الرحمن منقطعًا عن الواقع، وإنما كان مشارك في دعم قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، معتبرًا أن المقاومة فعل أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا. وله في ذلك رؤية تنسجم مع مشروعه الائتماني: “المقاومة هي الفعل الذي يسهم في بناء الحضارة الإسلامية وتشييد الحضارات الإنسانية”. وهذا يُظهر كيف يرى النهضة كعمل جماعي يعيد الاعتبار للقيم في المجال العام.
في الأخير، إن مشروع طه عبد الرحمن حول النهضة الإسلامية ليس برنامجًا سياسيًا، ولا خطة إصلاحية جاهزة، بقدر ما هو تأسيس فلسفي عميق يربط بين: تجديد المفاهيم، تحرير العقل، ترسيخ الأخلاق، تفعيل المسؤولية، وإحياء الروح الدينية. وبالتالي، فنهضة تبدأ من الإنسان قبل المؤسسة، ومن التزكية قبل السياسة، ومن اللغة قبل البرامج التقنية. ويمكن تلخيص فكر طه عبد الرحمان في العبارة التالية: “لن تنهض أمة لم تنهض أخلاقها، ولن تقوم حضارة لم يقم إنسانها”.








