أبو الريحان البيروني: الفيلسوف الموسوعي الذي جعل العلم طريقًا لفهم الوجود

“كان البيهقي والشهرزوري ينعتانه -البيروني- بأنّه من أجِلَّاء المهندسين.”

يمنى طريف الخولي، بحوث في تاريخ العلوم عند العرب.

كيف يتشكل عقل قادر على إدراك تعقيدات الكون دون أن يتشتت في تشعباته؟ وكيف يمكن لإنسان عاش قبل ألف عام أن يبلغ أفقًا معرفيًا يوازي ما تحاوله المؤسسات العلمية اليوم؟ ثم ما الذي يجعل البيروني حاضرًا في النقاشات الفلسفية المعاصرة حول المعرفة والموضوعية والنسبية الثقافية؟ هذه الأسئلة ضرورة منهجية لفهم عالم تداخلت في تجربته الرياضيات بالفلك، والجغرافيا بالأنثروبولوجيا، والفلسفة بالعلوم الطبيعية، فتكونت موسوعية تتجاوز أن تكون مجرد تجميع معارف نحو أن تصبح رؤية للعالم.

يُعدّ أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (362–440هـ/973–1048م) واحدًا من ألمع العقول التي أنجبتها الحضارة الإسلامية، ومن أبرز علماء الإنسانية في العصور الوسطى على الإطلاق. جمع بين الفلسفة والفلك والرياضيات والجغرافيا والجيولوجيا والصيدلة والتاريخ، وامتلك قدرة فريدة على الجمع بين المنهج التجريبي والدقة الرياضية والرؤية الفلسفية الشاملة. وقد ترك أكثر من مئة وعشرين كتابًا، توزعت بين المعارف الرياضية والفلكية واللغوية والحضارية.

ولد البيروني في ضواحي خوارزم، في بيئة متعددة اللغات والأعراق، الأمر الذي ساعده على اكتساب عدد كبير من اللغات منذ شبابه، مثل الخوارزمية والفارسية والعربية والسنسكريتية واليونانية والسريانية والعبرية. شهدت خوارزم في تلك الفترة خلال عهد الدولة السامانية حركة علمية نشطة، أتاحت له تعلّم الفقه والكلام والرياضيات والطب والفلسفة والفلك منذ بواكير حياته. غادر البيروني بلاده بعد اضطرابات سياسية، وتنقل بين بخارى وجرجان، حيث التحق ببلاط قابوس بن وشمغير (هو رابع ملوك الزيارين وأشهرهم)، وهناك ألّف أوّل كتبه الكبرى “الآثار الباقية عن القرون الخالية”، الذي وضع فيه أسسًا متقدمة لعلم التسلسل الزمني “التاريخ”. كما جمعته مراسلات فكرية مع ابن سينا، كشفت عمق الخلافات بينهما في الفلسفة الطبيعية وقضايا الحركة والخلاء.

يمثل البيروني عقلًا يتحدى الصورة النمطية للعلم في الحضارة الإسلامية، إذ لا يمكن حصره في تخصص واحد، ولا يمكن وصفه بكونه عالمًا فلكيًا أو رياضيًا فقط. كان منهجه أقرب إلى ما يصفه ميشيل فوكو حينما قال إن “المعرفة نسق يحكم الأشياء قبل أن يدرسها”، فالعلم لدى البيروني ليس تراكم معلومات بقدر ما هو ترتيب للعالم داخل بنية عقلية منسجمة. هذا الانسجام جعل الموسوعية عنده مشروعًا فكريًا له جذور فلسفية واضحة، حيث تتأسس المعرفة على السؤال، ويُعاد بناؤها على ضوء ما تمنحه الطبيعة من إشارات.

يتجلى هذا الأفق الفلسفي في اهتمامه العميق بالمنهج التجريبي. حيث لم يكن ينظر إلى الظواهر عن بعد، وإنما كان يقيس ويرصد ويحلل ويقارن. في محاولته لتحديد محيط الأرض، اعتمد على قياسات دقيقة تعتمد على اختلاف زاوية ارتفاع الجبل، وطبّق مبادئ هندسية صارمة، ليصل إلى نتائج تقترب من القياسات الحديثة. هذه الدقة توازي ما يشير إليه كارل بوبر حين يرى أن “العلم يتقدم عندما تتحول الفرضيات إلى اختبارات قاسية”، فقد حول البيروني كل فرضية إلى اختبار، وكل ملاحظة إلى برهان. يتضح هنا أن العلم عنده كان مسارًا دائمًا لإعادة بناء العقل، لا مجرد تسجيل للظواهر.

إقرأ المزيد:  نغوجي وا ثيونغو.. شجرة الفكر التي قاومت رياح الاستعمار

كان البيروني رائدًا في إدخال المنهج التجريبي إلى دراسة الحركة والمياه والمواد. فقد جمع بين “الفيزياء الساكنة” و”علم الحركة” بطريقة سبقت ظهور الهيدروديناميكا الحديثة. من أهم ابتكاراته:

  • تصميم أدوات دقيقة لقياس الكثافة النوعية للمعادن.
  • دراسة خواص الضوء والحرارة.
  • استنباط مبادئ علم الجاذبية النوعية قبل نيوتن بقرون.

كما كتب موسوعة “الصيدنة في الطب”، التي تضم وصفًا شاملًا للأدوية وأسمائها بثماني لغات.

ومع ذلك لم تكن إسهاماته محصورة في الطبيعة؛ فقد فتح أفقًا جديدًا في فهم الثقافات الأخرى، وخاصة في كتابه عن الهند المعنون بـ”تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”. في هذا الكتاب نجد روحًا نقدية تتعامل مع الآخر بطريقة تتجنب النزعة المركزية التي تحكم كثيرًا من الدراسات الكلاسيكية. يقترب تفكيره من مقولة بول ريكور الذي قال إن “الفهم لا يتحقق إلا حين نسمح للآخر بأن يقول شيئًا يعيد ترتيب ذواتنا”. هذا المبدأ يظهر بوضوح في مقارناته بين الأديان واللغات والعادات، إذ تعامل مع الثقافات بوصفها أنساقًا لها منطق داخلي يستحق الدراسة. كان يرفض الحكم المسبق، ويشتغل على بناء معرفة تقوم على الترجمة العميقة بين العوالم الإنسانية.

خصّص البيروني الجزء الأكبر من إنتاجه لعلوم الفلك والرياضيات، وكتب في ذلك أكثر من 95 كتابًا. لم يكن منجمًا، وإنما ناقدًا شديدًا للتنجيم، واعتبر الأبراج “شعوذة لا تقوم على برهان”. من أبرز إسهاماته:

  • تطوير حساب المثلثات الكروية.
  • وضع منهجية علمية لقياس خطوط الطول والعرض.
  • نقد فرضيات بطليموس حول ثبات الشمس.
  • تصميم نماذج أولية للأسطرلاب وأدوات القياس، وتطوير آليات مشابهة لبدايات الساعة.
  • استخدام بيانات الكسوف بدقة عالية، وهي بيانات لا تزال مفيدة في علم الفلك الحديث.

أما كتابه الضخم القانون المسعودي فهو موسوعة فلكية وجغرافية تُعد من أهم الكتب العلمية في القرن الحادي عشر.

هذا التصور يدفع نحو فهم البيروني كفيلسوف للعلم، لا كمجرّد عالم. لأن فلسفته تتجسد في اعتقاده بأن الكون وحدة منسجمة، وأن الحقيقة نتاج حوار دائم بين العقل والطبيعة. في هذا السياق ينسجم فكره مع رؤية هانس غادامر بأن “الفهم حدث يوقظ الوجود”، إذ يصبح العلم تجربة وجودية لا تهدف إلى السيطرة على العالم بقدر ما تهدف إلى المشاركة في كشفه. هذا الوعي يجعل البيروني يعيد النظر في الأسس التي تقوم عليها المعرفة، فيربط الظواهر الطبيعية بأسئلة أصل الأشياء، ويعيد بناء النسق المعرفي وفق رؤية تتجاوز حدود العلم الضيق وتدخل في عمق الفلسفة.

شكلت إقامة البيروني الطويلة في الهند (قرابة أربعين عامًا) منعطفًا مهمًا في حياته العلمية. فقد رافق محمود الغزنوي في حملاته الهندية، لكنها لم تكن رحلة عسكرية بالنسبة إليه، بقدر ما كانت رحلة بحث في حضارة غنية. كتب البيروني أهم دراساته “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”، وهو عمل موسوعي فريد، وثّق فيه كل ما يتعلّق بالمجتمع الهندي من دين وفلسفة وجغرافيا وعلوم وطب، بموضوعية نادرة في عصره. فقد أعلن صراحة: “كتابي لا يزيد على كونه سجلًا لحقائق… أضع نظريات الهندوس كما هي، بلا تحريف ولا تعصب”. كما درس البيروني السنسكريتية، وترجم بها نصوصًا علمية وفلسفية هندية، وأعاد صياغتها بالعربية بروح نقدية مقارنة بين الحضارات. كما فسّر كروية الأرض اعتمادًا على الحجج التي وجدها في العلوم الهندية، وربطها بعلوم الإغريق والعرب. ويعدّ هذا العمل حجر الأساس لعلم الأنثروبولوجيا المقارنة قبل ظهوره بثمانية قرون.

إقرأ المزيد:  جدلية التذكر وبناء المعنى: من يحلم فينا حين نحلم معًا؟

يُعتبر البيروني شخصية علمية اجتمعت فيها عناصر نادرة: دقة الرياضي، وفضول الرحالة، ونقد الفيلسوف، وروح المؤرخ، ومهارة الصيدلي، وجرأة المفكر الذي لا يتردد في مخالفة أرسطو أو بطليموس أو حتى أعلام عصره. إنه نموذج للعقل العلمي الموسوعي الذي ازدهر في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، القائم على: الترجمة، والمقارنة بين الحضارات، والمنهجية التجريبية، والرياضيات الدقيقة، والنقد الفلسفي. ولذلك لُقّب بـ”الأستاذ” و”بطليموس العرب”، وهو لقب لا يفي تمامًا بسعة عبقريته.

ولأن الموسوعية ليست فقط تعدد في الاهتمامات، فإنها لدى البيروني رؤية كونية تتجسد في الربط بين الزمن والمكان، وبين حركة الكواكب والشعوب، وبين التاريخ والإنسان. في كتبه عن الجغرافية، وصف تضاريس الأرض وطبائع الشعوب والعوامل المؤثرة في حياتهم، ثم ربط ذلك بحركة الفلك وتأثير المناخ. هذا الربط يتقاطع مع تصور إدغار موران للمعرفة حين أكد أن “الفكر المعقد هو القدرة على ربط ما يبدو منفصلًا”، وهو ما نجده متجسدًا في مشروع البيروني: شبكة معارف تتفاعل ولا تتنافر، وتتساند بدل أن تتشتت.

وحين نقترب من فكره الفلسفي في ماهية الزمن والمكان، نجد محاولات جادة لفهم الظواهر بوصفها عمليات مستمرة، لا كيانات ثابتة. كان يرى أن الزمن حركة تتجلى في التحولات الكونية والإنسانية، وأن المكان إطار تتفاعل داخله القوى الطبيعية. هذه الرؤية تكشف عن وعي مبكر بمفهوم النسبية الفكرية، إذ تقود إلى القول بأن الحقيقة غير منفصلة عن شروطها، وهي فكرة تتقاطع مع ما قاله توماس كون عن “تحول البارادايم” في تاريخ العلوم. فالعلم عند البيروني ليس نظامًا مغلقًا، إنما هو تاريخ يتغير كلما تغيرت أدوات الفهم.

في الأخير، إن أهمية البيروني اليوم تنبع من كونه نموذجًا لعالمٍ يربط بين المعرفة والإنسان، ويصوغ العلم كحوار دائم بين الحضارات، ويمنع المعرفة من الوقوع في أسر الواحدية أو الانغلاق. كتاباته تشكل شهادة على قدرة الحضارة الإسلامية على إنتاج عقل يتجاوز عصره، ويقدم للعالم تصورًا عميقًا عن أن المعرفة تكتسب معناها حين تصبح جسرًا بين الثقافات، وأداة لفهم الوجود، ومساحة للتفكير الحر. بهذه الرؤية يبقى البيروني رمزًا للموسوعية التي تنبع من وعي فلسفي بدينامية العلم وامتداد الإنسان في الكون، ورمزًا لقدرة العقل الإسلامي على تجاوز الحدود وتأسيس تفكير يستمر تأثيره حتى اللحظة المعاصرة.