أبو الريحان البيروني والمنهج العلمي باعتباره انتقالًا من المعطى الواقعي إلى الفهم العقلي

“الاستدلال بالمعقولات والقياس بما يُشاهَد من المحسوسات.”

أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية.

كيف يمكن للباحث أن يميز بين الخبر الذي يعبّر عن الواقع والخبر الذي يحرّفه؟ وما السبيل إلى تأسيس يقين علمي يقوم على الفحص لا على التسليم؟ وهل يستطيع العقل أن يبلغ الحقيقة من غير امتحان دقيق للروايات والآراء؟ تدخل هذه الأسئلة في صميم المشروع المعرفي لأبي الريحان البيروني، ذلك العالم الذي فهم أن المعرفة فعل مسؤول يقوم على التحرّي والتدقيق والمقارنة، وأن العقل لا يرقى إلى صفاء الحكم إلا إذا أخضع الظواهر للقياس والتجريب، وألزم نفسه بالتحقق قبل إصدار القول. لقد رأى أن الباحث لا يقترب من الحقيقة إلا حين يتعامل مع الوقائع بصرامة منهجية، ويزن الأخبار بميزان العقل والبرهان. ولهذا حرص على تحرير العلم من الانفعال، وعلى ضبطه بحدود النظر الناقد.

يشكّل منهج البيروني إحدى اللحظات المؤسسة في تاريخ العقل العلمي، إذ سعى إلى بناء معرفة تقوم على التحقيق والاختبار والموازنة بين الشهادات المختلفة. وقد عبّر في مقدمة كتابه “الآثار الباقية عن القرون الخالية” عن هذا المبدأ حينما قال: “إنما أربأ بنفسي عن قبول كل ما يُنقل دون فحص، وأحملها على التثبت في كل ما يُروى”. يكشف هذا التصريح عن روح نقدية واعية ترى أن المعرفة تُكتسب عبر جهد مستمر لا عبر تسليم سريع بما يصل إلى الباحث. ومن هذا المنطلق، لم يتعامل مع الظواهر بوصفها معطيات جاهزة، وإنما بصفتها حقولاً تحتاج إلى القياس والتجريب، فكان يكرر أن “الحق يُعرف بدليله” ليؤكد أن العلم لا يستند إلى سلطة قائلة بل إلى برهان يمنح الرأي صلاحية الانتقال من الظن إلى اليقين.

وتبرز قوة منهج البيروني في اعتماده على المقارنة مدخلاً للتحقيق العلمي. وتبدو هذه النزعة واضحة في كتابه “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”، حيث يعلن: “لا أذكر من أحوالهم شيئاً إلا ومعه حجته، ولا أشرح قولاً إلا ومعه تفسيره”، وهي عبارة تختصر رؤيته في التعامل مع الثقافات الأخرى. فهو لا ينقل أخبار الهنود نقلاً خاماً، بقدر ما يقابل الروايات، ويفحص اختلافها، ويستخلص من مجموعها تصوراً متماسكاً لبنية الفكر والمعتقد. وتمثل هذه المقاربة خطوة متقدمة نحو المنهج الأنثروبولوجي الحديث، لأنها تجعل الفهم جزءاً من فعل المقارنة لا نتيجة لوصف سطحي للعادات والتقاليد.

إقرأ المزيد:  العقلانية النهضوية ورؤية محمد عابد الجابري للنهضة العربية

ويظهر أن البيروني كان واعياً منذ بدايات مشروعه العلمي لإمكان الخطأ البشري في القياس والوصف، لذلك يعلي من شأن الدقة الرياضية، ويشير في كتابه “القانون المسعودي” إلى أن “الخطأ في المقدار اليسير يفسد الأمر الجليل”، وهو تصريح يبرز حساسيته الشديدة تجاه التفاصيل الصغيرة التي تُبنى عليها النتائج الكبرى. لهذا السبب أعاد حساب محيط الأرض، وراجع مواضع المدن، وضبط خطوط الطول والعرض بعناية لم تكن مألوفة في عصره. وقد أدى هذا القلق العلمي إلى رفع مستوى البحث الجغرافي والفلكي، إذ صار القياس عنده ممارسة معرفية تتجاوز الجانب التقني إلى بناء صورة أكثر إحكاماً للعالم.

ويتجلى البعد الأخلاقي في منهج البيروني عندما يتناول آراء الآخرين. ففي كتابه تحقيق ما للهند يكتب: “الإنصاف أفضل ما يجود به العالم في وصف ما يختلف عنه”، وهي عبارة تحمل تصوراً عميقاً لدور الباحث، إذ لا يحق له أن يكتب عن الشعوب والعقائد من منطلق الهوى، وإنما من موقع يفصل بين القيم الخاصة والواجب المعرفي. بهذه الروح استطاع أن يصف أديان الهند دون تحامل، وأن يدرس لغاتهم وممارساتهم بمنهج لا يغلق باب الفهم. وهو موقف يسبق الدعوات الحديثة إلى الموضوعية واحترام تنوع الثقافات، ويضع الباحث أمام مسؤولية معرفية وأخلاقية في آن واحد.

ويقوم منهج البيروني كذلك على الربط بين المعارف وربط أجزاء الكون بخيوط قانونية متماسكة. فقد صرّح في سياق بحثه في الفلك: “الكون بناء تنتظم أجزاؤه بنواميس لا تُدرك إلا بالعقل”، وهي عبارة تكشف البعد الفلسفي في رؤيته، إذ يجعل من العقل أداة لكشف النظام المكنون خلف الظواهر. وهذا الطابع الكوني في تفكيره قاده إلى تجاوز الحدود التقليدية بين الجغرافيا والرياضيات واللغة والفلك والطب، فصارت العلوم لديه شبكة مترابطة، يتغذى بعضها من بعض، وتتكامل في صياغة صورة أشمل للعالم. ومن هذا المنظور، تبدو أعماله خطوة أولى نحو العلم متعدد الحقول الذي تقوم عليه المعرفة الحديثة “عبور التخصصات”.

إقرأ المزيد:  أبو الريحان البيروني: الفيلسوف الموسوعي الذي جعل العلم طريقًا لفهم الوجود

في الأخير، يكشف منهج البيروني عن رؤية تجعل من العلم فعلاً يرتبط بالمسؤولية الإنسانية. حيث يرى أن الباحث لا يسعى إلى اكتشاف القوانين لأجل ذاته، وإنما من أجل “رفع الجهالة عن النفس”، كما قال في أحد نصوصه. وهذا الوعي يضع المعرفة في سياقها الوجودي، إذ تصبح رحلة للتحرر من الظلمات لا مجرد ممارسة تقنية. ولذلك اتخذ البيروني طريقاً يتطلب دقة وحكمة وشجاعة فكرية، وترك للباحثين من بعده مثالاً على إمكانية الجمع بين التجربة والبرهان، وبين النقد والإنصاف، وبين التخصص والتعدد. وهكذا، يظل منهجه نموذجاً يمكن استعادته اليوم لإحياء روح علمية تعيد الثقة للعقل الإسلامي في سعيه إلى فهم العالم.