التاريخ باعتباره الذاكرة العميقة التي تصنع وعي الأمم وتوجّه نهضتها

“التاريخ في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَل…في باطنه نظر تحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.”

عبد الرحمان بن خلدون، المقدمة.

كيف يمكن لأمة أن تتقدم ما لم تمتلك خزانًا تستحضر منه صورها الأولى، وتجاربها العميقة، ونماذجها التي صاغت وعيها الجماعي؟ إنّ التاريخ يتحول في التجربة الإنسانية إلى مصدر تستمد منه الأمم طاقتها الأخلاقية ورؤيتها للعالم، إذ يقدّم لها ما يشبه الذاكرة الكبرى التي تتقاطع فيها التربية والهوية والفكرة. وقد رأى أرنولد توينبي في كتابه الضخم “دراسة في التاريخ” أنّ “الحضارة تولد حين تستجيب جماعة بشرية لتحدٍّ يواجهها” وهو ما سماه بنظرية “التحدي والاستجابة”، وهذا القول يشير إلى أن التاريخ يشكل مساحة تتعلم منها الأمم كيفية تحويل الألم إلى قوة والانتكاسة إلى مشروع حضاري نهضوي.

ويكتسب التاريخ قيمة نفسية تقوم على تغذية الشعور بالانتماء، حيث أن الأفراد يحتاجون إلى خيط يربط حاضرهم بماضٍ طويل، بما يجعله سندًا نفسيًا يعزز الثقة ويقوي الإحساس بالاستمرارية. وقد عبّر ول ديورانت في كتابه “قصة الحضارة” عن هذا المعنى حين كتب: “الأمة التي تفقد إيمانها بماضيها تفقد شجاعتها في مواجهة المستقبل”. يتضح من هذا القول أن التاريخ يقوم بوظيفة تتجاوز السرد، إذ يتحول إلى طاقة داخلية تستقر في أعماق الفرد فتمنحه قدرة على التحمّل وصون الذات. أي إنّ الإنسان حينما يشعر أنّه يحمل ميراثًا ثقيلًا يغدو أكثر استعدادًا للدفاع عن قيمه وصياغة مشروعه.

ويكشف البعد الأيديولوجي للتاريخ عن قوته في تشكيل الوعي الجمعي، فالتاريخ يتدخل في طريقة فهم الأمم لموقعها بين الحضارات، وفي تفسيرها لموقع القوة والضعف، وفي تحديدها للمنطلقات التي ينبغي أن تقوم عليها نهضتها. وقد أشار ابن خلدون في المقدمة إلى أنّ “المغلوب مولع بتقليد الغالب”، وهو قول يعكس آلية خفية تؤثر في الميول والاختيارات الثقافية، حيث تقوم الجماعة بصياغة رؤيتها للعالم اعتمادًا على ما تستحضره من أحداث وانتصارات وانكسارات. ومن خلال هذا الاستحضار يتكون ما يشبه المنظور الفكري الذي يوجّه القرارات الكبرى ويرسم ملامح التغيير للأمم والحضارات.

إقرأ المزيد:  الحقائق البديلة في زمن ما بعد الحقيقة: تفكّك المعنى وصعود السلطة الخطابية الشعبوية

وهكذا، يتحول التاريخ إلى مدرسة تربوية تؤطر السلوك السياسي والاجتماعي للانسان، لأن التجارب الماضية تقدم نماذج ملموسة تساعد على فهم أخطاء الحكم ومسارات القوة ومواطن التصدع. وقد رأى بول ريكور في كتابه “الزمان والسرد” أن “السرد التاريخي يعيد بناء الزمن الإنساني عبر المعنى”، وهذا القول يفتح المجال لفهم أنّ الأمة حينما تعيد قراءة تاريخها تمنح لحياتها السياسية والاجتماعية معنى أوسع يدمج الماضي بالحاضر، مما يجعل عملية النهضة مسارًا واعيًا لا يكتفي بالاندفاع، بل يقوم على معرفة عميقة بالتجارب السابقة.

ويساهم التاريخ أيضًا في تغذية الخيال الاستراتيجي للأمم. لأن التجارب العسكرية والفكرية والاقتصادية المتراكمة تشكل مختبرًا ضخمًا تستخرج منه الشعوب طرق إدارة الأزمات وبناء مؤسسات راسخة. وقد كتب أنطونيو غرامشي في كتابه “دفاتر السجن” أنّ “الوعي التاريخي هو الشرط الأول لأي مشروع تغييري”، هذا ما يوضح أن الأمة التي تفكر في مستقبلها بحاجة إلى وعي بطبقات تحوّلها السابقة، حتى تدرك طبيعة القوى التي صنعتها والعوامل التي قادتها إلى ما وصلت إليه. وهكذا يغدو التاريخ مادة تُصنع بواسطتها الاستراتيجية، اعتمادًا على معرفة دقيقة بالموارد والمهارات والبُنى العميقة للمجتمع.

إنّ النهضة لا تنشأ داخل فراغ، بقدر ما تتغذى على ذاكرة قادرة على توفير صور رمزية تُلهم الإرادة الجماعية. فالأبطال، والعلماء، والمصلحون، واللحظات المفصلية، كلها تتحول إلى مراجع تخلق توازنًا نفسيًا وفكريًا للأمة. وقد عبّر نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” عن هذا المعنى عندما قال: “من يريد أن يبني عاليًا، يحتاج إلى أساس عميق”. يتضح من هذه العبارة أنّ التاريخ يقوم بوظيفة الأساس الذي تستند إليه المشاريع الفكرية والسياسية، فكل نهضة تحتاج إلى جذور تمنحها القدرة على الصمود أمام العواصف.

في الأخير، يتجلى التاريخ بوصفه الخزان الذي يحتوي القوى العميقة التي تسري في جسد الأمة، إنّه الذاكرة التي تمنح الثقة، والسرد الذي يوجّه التفكير، والموروث الذي يصنع الأيديولوجيا، والمختبر الذي تتخمر داخله إمكانات المستقبل. وعندما تعيد الأمة قراءة تاريخها قراءة نقدية واعية، فإنها تستعيد قدرتها على الفعل، لأن الإنسان الذي يعرف شجرة نسبه الوجودية يصبح أكثر وعيًا بمساره وأقدر على صناعة غده.

إقرأ المزيد:  العوام على هامش التاريخ.. الحكايات المغيبة والمعاناة المنسية