دولة بني مدرار الصفرية: الهامش الصحراوي بوصفه مركزًا لتشكّل الدولة والسلطة في تاريخ الغرب الإسلامي

“الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها.”

عبد الرحمان بن خلدون، المقدمة.

كيف يمكن لكيانٍ سياسي وُلد في الهامش أن يتحوّل إلى مركز تاريخي؟ وكيف استطاعت إمارة بني مدرار، المنبثقة من رحم الثورة والخلاف المذهبي، أن تصوغ معنى للسلطة والاقتصاد والهوية في مجال صحراوي قاسٍ؟ ثم ما الذي يكشفه أفولها عن منطق التاريخ حين يتقاطع الدين بالتجارة، والذاكرة بالسياسة؟ إن التفكير في دولة بني مدرار (140هـ-757م / 355هـ- 976م) لا يكتمل عبر السرد الوقائعي وحده، وإنما يقتضي قراءة فلسفية ترى في هذه التجربة نموذجاً لكيفية تشكّل الدولة في الأطراف “الهامش”، وكيف يتحوّل الهامش إلى فاعل مركزي في التاريخ.

نشأت دولة بني مدرار في سياق تاريخي مشحون بالتوتر، حيث شكّلت ثورة الخوارج الصفرية قطيعة حاسمة مع نظام الولاة الأمويين، ومع نمط الحكم القائم على الامتياز الجبائي والتراتبية العرقية. هذه الثورة، بقيادة ميسرة المطغري، عبّرت عن وعي جمعي مغاربي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسلطة. وفي هذا السياق، يقدّم ابن خلدون مفتاحاً تفسيرياً بالغ الأهمية حين يقول في المقدمة: “أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها”، وهو ما يفسّر تحوّل المذهب الصفري من خطاب احتجاجي إلى قاعدة سياسية مكّنت من قيام كيانات مستقلة، من بينها إمارة بني مدرار بسجلماسة.

إن تأسيس هذه الدولة يكشف عن مفارقة فلسفية لافتة: دولة تقوم على مذهب خارجي يُنظّر للمساواة والاحتجاج على الظلم، لكنها سرعان ما تدخل منطق الدولة بما يحمله من صراعات على الحكم، ومن تحالفات قبلية، ومن تحوّل للزعامة الروحية إلى سلطة سياسية. فمقتل عيسى بن يزيد الأسود، رغم كونه الإمام المؤسِّس، يعبّر عن انتقال مركز الشرعية من الدعوة الدينية إلى العصبية القبلية، ومن الخطاب الديني إلى ميزان القوة. في هذا السياق تتجلى إحدى قوانين التاريخ التي ألمح إليها مكيافيللي في كتابه “الأمير” حينما اعتبر أن السلطة، متى استقرّت، تخضع لمنطق البقاء والقوة قبل منطق المُثُل.

غير أنّ العمق الفلسفي لتجربة بني مدرار لا يستنفد في بعدها السياسي، بقدر ما يتجلّى في علاقتها بالمجال والاقتصاد. فقد قامت سجلماسة في قلب الصحراء، في فضاء ارتبط في المخيال بالفراغ والعزلة، غير أنّ هذه الدولة حوّلت الصحراء إلى شبكة حركة وتبادل تجاري عالمي. وهكذا، يلتقي التحليل التاريخي مع رؤية ابن خلدون حينما اعتبر أن العمران يقوم حيث تتوافر أسباب الكسب، إذ يقول: “اعلم أنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش فإنّ اجتماعهم إنّما هو للتّعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروريّ منه ونشيط قبل الحاجيّ والكماليّ”. حيث أن سيطرة بني مدرار على طرق الذهب والتجارة العابرة للصحراء صنعت عمراناً صحراوياً غير مسبوق، وحوّلت سجلماسة إلى قلب نابض للاقتصاد المغاربي والعالمي. وقد أشار فرناند بروديل في كتابه “البحر المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني” إلى أنّ السيطرة على طرق التجارة تمنح الفاعل التاريخي نفوذاً يفوق السيطرة العسكرية. وهذا ما حققته إمارة بني مدرار حينما أحكمت قبضتها على مسالك السودان الغربي، فغدت سجلماسة قلباً نابضاً للاقتصاد العابر للأقاليم.

علاوة على ذلك، إن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته الإمارة أفرز تحوّلات اجتماعية عميقة، فقد تشكّل مجتمع حضري غني متمايز الطبقات، إلى جانب حضور كثيف للرقيق المستقدم من بلاد السودان. هذا التناقض يكشف البعد التراجيدي للتاريخ: دولة نشأت باسم العدل، ثم أعادت إنتاج أشكال جديدة من اللامساواة الطبقية. ويجد هذا الوضع صداه في تحليل ابن خلدون حين نبّه إلى أن الترف علامة بداية الانحلال، إذ يقول: “فإنّ عوارض التّرف والغرق في النّعيم كاسر من سورة العصبيّة الّتي بها التّغلّب وإذا انقرضت العصبيّة قصّر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة والتهمتهم الأمم سواهم فقد تبيّن أنّ التّرف من عوائق الملك وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ من يَشاءُ”. فالترف الحضري في سجلماسة كان دليلاً على القوة، لكنه حمل في طياته بذور التفكك. في هذا الإطار يمكن استحضار قول روسو في كتابه “العقد الاجتماعي” إنّ عدم المساواة يولد حين يتحوّل التنظيم إلى امتياز، وهو ما يفسّر التوتر الكامن داخل البنية الاجتماعية لسجلماسة.

إقرأ المزيد:  في الحاجة إلى برجوازية وطنية: نقد تاريخي لفشل التنمية في دول الجنوب

أما على المستوى المذهبي، فقد عرفت دولة بني مدرار تحوّلات عميقة بين الصفرية والإباضية ثم المالكية. هذه التحولات لا تعبّر عن قلق عقدي بقدر ما تعكس هشاشة الهوية السياسية حينما تُبنى على أساس ديني خالص. حيث أن المذهب يتحوّل إلى أداة شرعية داخل صراع القوى الإقليمية، خاصة مع الضغط الفاطمي. وهنا يقدّم ابن خلدون رؤية كاشفة حين يؤكد أن الدين حين يدخل منطق الدولة يخضع لشروطها، بقوله: “الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم”. فحينما ضعفت العصبية المدرارية، فقد المذهب قدرته على حماية الدولة. وقد أشار فوكو في كتابه “إرادة المعرفة” إلى أنّ الخطاب بما فيه الديني، يرتبط دائماً بشبكات السلطة.

إن أفول دولة بني مدرار لا يمكن قراءته باعتباره نتيجة هزيمة عسكرية فقط، وإنما باعتباره نهاية دورة تاريخية كاملة. فقد تحوّلت الإمارة إلى مجال تنازع بين الفاطميين والعباسيين والأمويين في الاندلس، وغاب عنها مشروع سياسي ذاتي. وهذا ينسجم مع قانون تاريخي صاغه ابن خلدون بوضوح، حيث يقول: “أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص”. فالدولة التي نشأت كاستجابة ثورية، عجزت عن إنتاج استجابة جديدة في عالم إقليمي يتجه نحو الإمبراطوريات. وفي هذا المنوال تتجسد رؤية توينبي في كتابه الموسوعي “دراسة في التاريخ” حين أكد أن الحضارات تنهار حينما تعجز عن تقديم استجابة خلاقة للتحديات الجديدة. وبهذا، فإن إمارة بني مدرار، وقد نشأت كاستجابة ثورية، لم تستطع أن تجد صيغة جديدة للبقاء في ظل تحولات جيوستراتيجية تتجه بالعالم القديم نحو الإمبراطوريات الكبرى.

إنّ قيام دولة بني مدرار الصفرية في سجلماسة لا يمكن فصله عن لحظة تاريخية اتسمت باضطراب السلطة المركزية وتفكك الرقابة السياسية في الأطراف الغربية للخلافة. وكما يشير محمود إسماعيل في كتابه “الخوارج في بلاد المغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري”، فقد استطاع الصفرية أن يستثمروا هذا الفراغ السياسي، لا بوصفهم حركة تمرّد ظرفية، وإنما كقوة قادرة على التنظيم وبناء الدولة. هذا المعطى يكشف أن قيام الدولة في المغرب لم يكن استنساخاً لنموذج الخلافة في المشرق، بقدر ما كان نتاج تفاعل بين المذهب، والعصبية، والمجال. كما أنّ التقليل من شأن دولة بني مدرار في الكتابات الغربية، كما يلاحظ محمود إسماعيل، يرتبط برؤية مركزية للتاريخ “الإثنومركزية”، تقيس الفاعلية بمدى التأثير في السياسات الإمبراطورية الكبرى، وتتجاهل الأدوار البنيوية التي تلعبها الدول “الداخلية”. غير أن هذا المنظور يغفل حقيقة أساسية، مفادها أن التحكم في شبكات التجارة العابرة للصحراء كان شكلاً من أشكال السلطة العميقة، التي لا تُمارس عبر الجيوش وحدها، بل عبر الاقتصاد وتنظيم الحركة. وهكذا، تبرز سجلماسة كعقدة استراتيجية في تاريخ المغرب، لا كمدينة هامشية.

من الناحية الفلسفية، تكشف تجربة بني مدرار عن معنى مغاير للدولة. حيث أن الدولة في هذا السياق لم تُبنَ حول عاصمة ساحلية أو مركز حضري عتيق، وإنما حول واحة تحوّلت إلى فضاء سياسي بفضل قدرتها على الجمع بين عناصر متنافرة. ويؤكد محمود إسماعيل أن مكناسة شكّلت العصبية الحاكمة، غير أنّ الدولة لم تقم على أساس قبلي خالص، بل على تحالف واسع ضم صنهاجة وزناتة وزنوج السودان والأندلسيين. هذا التركيب الاجتماعي المتعدد يمنح الدولة المدرارية بعداً تركيبياً، ويجعلها نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته بالدولة العابرة للأعراق. إنّ الدور القيادي لمكناسة، كما توضحه النصوص، لم يكن وليد التفوق العددي فقط، وإنما نتيجة أسبقيتها في اعتناق المذهب الصفري. فالعقيدة هنا أدّت وظيفة توحيدية، ووفّرت إطاراً رمزياً لدمج جماعات متباينة في كيان سياسي واحد. هذا المعطى ينسجم مع تحليل ابن خلدون الذي يرى أن الدعوة الدينية تمنح العصبية قوة مضاعفة، لأنها تحوّل الانتماء من رابطة دم إلى رابطة معنى.

إقرأ المزيد:  إطلاق العقل في الحضارة الإسلامية: تجربة فكرية ومعرفية

أما الانتشار الواسع للمذهب الصفري في المغرب وإفريقية، فهو يكشف عن قابلية اجتماعية لفكر يقوم على التشدد في مفهوم العدل، والصرامة في محاسبة السلطة. فسرعة انتشاره، مقارنة بالمذهب الإباضي، تعود إلى حدّته، وإلى قربه من المزاج الاحتجاجي للقبائل التي عانت من التمييز الجبائي والسياسي. وهذا ما يفسّر حديث ابن خلدون عن شوكة الصفرية وقوتهم العددية، باعتبارهم تعبيراً عن توتر اجتماعي عميق، لا عن انحراف عقدي معزول. وتُظهر المقارنة التي قدّمتها وفاء يعقوب في درستها “دولة بني مدرار الصفرية بالمغرب الأقصى الإسلامي/دراسة تاريخية حضارية” بين الصفرية والإباضية أن المذهب الصفري رغم تطرفه النسبي، نجح في تأسيس نظام أمني وسياسي مستقر خلال مرحلته الذهبية. فقد استطاع حكام بني مدرار الأوائل توطيد الأمن، وبناء سجلماسة كعاصمة مزدهرة، وتوسيع النفوذ العسكري في محيطها. وهذا يدل على أن التشدد العقدي لم يكن عائقاً أمام التنظيم السياسي، وإنما شكّل في مرحلة معينة رافعة للضبط الاجتماعي.

غير أن هذه الدولة، مثل غيرها من الكيانات التي نشأت في الأطراف، اصطدمت بحدودها التاريخية مع صعود قوى كبرى ذات مشاريع إمبراطورية، كالدولة الفاطمية ثم الأموية بالأندلس. حيث أن أفول بني مدرار لم يكن نتيجة ضعف داخلي فقط، بقدر ما كان نتيجة تحوّل موازين القوة في المجال المغاربي، حيث لم يعد ممكناً لدولة صحراوية مستقلة أن تحافظ على سيادتها في ظل صراع الخلافات. ومع ذلك، فإن نهاية دولة بني مدرار لا تعني نهاية أثرها. لأن سجلماسة ظلّت لقرون مركزاً تجارياً ومالياً، وظل المذهب الصفري جزءاً من الذاكرة الدينية والسياسية للمغرب. إنّ هذه التجربة تكشف أن التاريخ لا يُقاس بطول البقاء السياسي، بل بعمق الأثر البنيوي. وبذلك، فإن دولة بني مدرار تمثل لحظة مفصلية في تاريخ المغرب، لحظة أثبت فيها الهامش قدرته على إنتاج الدولة، وإعادة تعريف العلاقة بين الصحراء والسلطة، وبين العقيدة والتنظيم السياسي.

في الأخير، إن الأثر التاريخي لدولة بني مدرار ظل حاضراً في الذاكرة المغربية. حيث أن سجلماسة بقيت رمزاً للمدينة الصحراوية التي صنعت التاريخ، ومثالاً على قدرة الأطراف “الهامش” على إنتاج المركز. كما أن هذه التجربة تبيّن أن التاريخ لا تصنعه العواصم الكبرى وحدها، بل تصنعه أيضاً الواحات، والقبائل، ومسالك القوافل، حيث يلتقي الدين بالاقتصاد، والسلطة بالجغرافيا. وهكذا، فإنّ القراءة الفلسفية لدولة بني مدرار تكشف أنّها لم تكن بأي حال من الأحوال إمارة عابرة في سجل الدول، بل تجربة تاريخية عميقة الدلالة، تُظهر كيف يتشكّل الحكم من رحم الاحتجاج، وكيف يتحوّل العدل إلى سلطة، وكيف تكتب الصحراء تاريخها بأدوات غير مرئية. ومن خلال هذه التجربة نفهم أن التاريخ المغربي، في عمقه، تاريخ تعددية وتوتر، وأن الهوية السياسية تشكّلت دائماً في المسافة الفاصلة بين الهامش والمركز.