“نكتب كي لا يتحوّل العالم إلى أمرٍ مُسلَّمٍ به، وكي يظلّ السؤال مفتوحًا في وجه السلطة والمعنى الجاهز.”
أكتب في مدوّنة الهامش لأنّ الكتابة، في أصلها، فعلُ تموضعٍ في العالم قبل أن تكون فعلَ تعبير. السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: لماذا نكتب؟ سؤال يظهر بسيطًا في صيغته، غير أنّه ينفتح على شبكة كثيفة من المعاني تتعلّق بالوجود، بالسلطة، وبالمعنى الذي يُمنح للصوت حينما يخرج من الصمت. أكتب لأنّ الصمت في زمن الضجيج شكلٌ آخر من أشكال القهر، ولأنّ الامتناع عن القول حينما يُفرَض لا يُعدّ حكمة، وإنما مشاركة غير معلنة في إدامة العمى الجماعي.
إن مدوّنة الهامش وُلدت من الإحساس بأنّ المركز لم يعد مكان الحقيقة، وأنّ ما يُقدَّم بوصفه خطابًا سائدًا غالبًا ما يخفي أكثر ممّا يُظهر. وفي هذا الإطار، يصبح الهامش ليس موقع ضعف، بقدر ما هو موقع رؤية. فمن خارج المركز تُرى البنية، وتُفهم آليات الإقصاء، وتنكشف اللغة حين تتحوّل إلى أداة سلطة. وبهذا، الكتابة من الهامش اختيارٌ فلسفي، لأنّها تقطع مع الامتثال، وتعيد الاعتبار للسؤال في مواجهة الجواب الجاهز.
أكتب لأنّ الفلسفة لم تُخلَق لتزيين الأفكار، وإنما لمساءلة ما يبدو بديهيًا. لأن الكتابة في المدوّنة امتداد لهذا الدور؛ تفكيك الخطابات التي تدّعي الاكتمال، وكشف التاريخ حينما يُستعمل لتبرير الحاضر، وتحليل السياسة حينما تُقدَّم بوصفها قدرًا لا خيارًا. إنّها كتابة ترفض أن تكون صدى، وتسعى لأن تكون أثرًا، حتى وإن كان أثرًا صغيرًا في مساحة ضيّقة.
علاوة على ذلك، فلسفة إنشاء المدوّنة تقوم على الإيمان بأنّ المعرفة لا تعيش في الأبراج، وأنّ الفكر حين ينفصل عن الواقع يفقد أخلاقيته. وهكذا، فالمدوّنة ليست منبرًا للادّعاء، ولا مساحة للتلقين، بقدر ما هي مختبرًا للأسئلة، ومجالًا لتجريب الأفكار، واختبار اللغة في تماسّها مع القلق الإنساني. إن الكتابة فيها فعلُ انحيازٍ للإنسان، لا للخطاب الذي يتكلّم باسمه.
إن الهامش أيضًا موقفٌ من الزمن، حيث أن الكتابة هنا مقاومة للسرعة التي تبتلع المعنى، وإصرار على البطء بوصفه شرط للفهم. إنّها دعوة للتفكير في عالم يطالبنا بالاستهلاك أكثر ممّا يطالبنا بالتأمّل. في هذا الصدد، تتحوّل المدوّنة إلى مساحة استعادة للذات، وللعقل، وللقدرة على التوقّف أمام الأسئلة التي يخشاها الخطاب السائد.
أكتب لأنّ الكتابة مسؤولية. كلّ نصّ يُكتَب إمّا أن يوسّع أفق الوعي أو يكرّس العتمة. ومدوّنة الهامش اختارت الطريق الأصعب: أن تقول ما لا يُقال بسهولة، وأن تزعج الطمأنينة الزائفة، وأن تمنح الكلمة لمن حُرموا منها رمزيًا. فالهامش حينما يُكتب، يتقدّم خطوة نحو المركز، لا ليحتلّه، وإنما ليعيد تعريفه.
لهذا أكتب: لا بحثًا عن اعتراف، ولا طلبًا لشرعية، بل وفاءً لفكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن يكون للفكر مكان، وللسؤال حقّ، وللإنسان صوت، حتى حين يأتي هذا الصوت من أقصى الهامش المنسي.








