إفريقيا باعتبارها سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا: في الحبّ، الذاكرة، وتحرير المعنى

يا إفريقيا..

ألقتْ بنا ريح الشمال

لنكون عُشّاقاً وقتلى.

وبدون ذاكرةٍ ذكرنا كل شيء عن ملامحنا

ووجُهك فوق خارطة الظلال

محمود درويش، اغنيات حب الى افريقيا.

لماذا نحبّ إفريقيا ونكتب عنها؟ أيُّ معنى يجعل قارةً بكاملها تتحوّل إلى سؤال فلسفي دائم؟ وهل الكتابة عن إفريقيا اختيار جمالي أم موقف معرفي وأخلاقي؟ ثم كيف تحوّلت هذه القارة، التي شكّلت مهد الإنسانية، إلى رمز للمعاناة في الوعي العالمي؟ هذه الأسئلة تفتح أفقًا للتفكير في إفريقيا بوصفها تجربة إنسانية كثيفة، ومجالًا لاختبار حدود الفلسفة ذاتها. إنّ السؤال عن سبب حبّ إفريقيا والكتابة عنها يتجاوز حدود العاطفة والانتماء الجغرافي، ليتحوّل إلى إشكال فلسفي يتعلّق بمعنى التاريخ، وبالذاكرة الإنسانية، وبالعدالة المعرفية التي طالما اختلّ ميزانها. لماذا تستدعي إفريقيا هذا القدر من الشغف الفكري؟ ولماذا يشعر الكاتب حين يكتب عنها، أنّه لا يصف مكانًا بقدر ما ينقّب في جرح كوني مفتوح؟ ثم ما الذي يجعل الكتابة عن إفريقيا فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون ممارسة ثقافية أو أدبية؟

إنّ حبّ إفريقيا ينشأ -في عمقه-، من إدراكها بوصفها الأصل المنسي للإنسانية. وبذلك، فهي لا تعتبر مجرّد قارة في الهامش، وإنما فضاء تشكّلت فيه البدايات الأولى للوجود البشري، ثم أُقصيت لاحقًا من سرديات التقدّم والحداثة. هذا التناقض بين الأصل والتهميش يوقظ في الوعي الفلسفي إحساسًا بالظلم التاريخي، ويدفع الكاتب إلى مساءلة المعايير التي صاغت التاريخ العالمي. لأن الكتابة عن إفريقيا تصبح محاولة لاستعادة التوازن بين البداية والنهاية، وبين المركز الذي صنعته القوة والهامش الذي فرضته الهيمنة. لقد بنى الفكر الحديث تصوّره للتقدّم عبر خطّ زمني وضع أوروبا في مركزه، وأزاح إفريقيا إلى موقع التابع. وهذا ما نجده عند جورج فيلهلم هيغل في كتابه “محاضرات في فلسفة التاريخ” الذي كتب عن إفريقيا بوصفها خارج التاريخ، وهو حكم كشف لاحقًا عن عنف فلسفي مبطَّن أكثر مما كشف عن حقيقة تاريخية. إنّ الكتابة عن إفريقيا تتحوّل -انطلاقًا من ذلك-، إلى فعل تفكيك لهذا الإقصاء وإعادة إدخال القارة في قلب التفكير الكوني.

إقرأ المزيد:  غزوة الأحزاب: الزلزال الاستراتيجي الذي أعاد تشكيل ميزان القوة

وتزداد أهمية هذا الفعل حين نعي أنّ إفريقيا تمثّل مختبرًا تاريخيًا لفهم العلاقة بين القوّة والمعرفة. حيث أن الاستعمار لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، وإنما أعاد تشكيل الوعي واللغة وأنماط التفكير. وفي هذا السياق قال فرانتز فانون في كتابه “معذبو الأرض”: “الاستعمار نظام عنف شامل، لا يكتفي بسحق الأجساد، وإنما يعيد تشكيل العقول”. هذا الوعي يجعل الكتابة عن إفريقيا امتدادًا لنقد الحداثة حين تتجسّد في عنفها الإمبريالي. كما أنّ إفريقيا تمثّل على المستوى الفلسفي، مرآة صافية لانكشاف العنف البنيوي الذي صاحب تشكّل العالم الحديث. فالاستعمار لم يكن حدثًا عابرًا في تاريخها، بقدر ما كان تجربة وجودية عميقة أعادت تشكيل الإنسان الإفريقي، جسدًا ووعيًا ولغةً. ومن ثمّ، فإنّ الكتابة عن إفريقيا تتحوّل إلى كتابة عن الإنسان حين يُجرَّد من حقّه في تعريف ذاته. لهذا وجد مفكّرون كفرانتز فانون، وأميلكار كابرال، ونغوجي وا ثيونغو في إفريقيا مختبرًا حيًا لفهم العلاقة بين القهر والوعي، وبين الثقافة والتحرّر.

ومن منظور معرفي، تمثّل الكتابة عن إفريقيا تمرّدًا على احتكار إنتاج المعرفة. لأن العلوم الإنسانية صيغت طويلًا من خارج التجربة الإفريقية، مستخدمة مفاهيم لا تنبع من سياقها التاريخي والاجتماعي. وقد عبّر نغوجي وا ثيونغو عن هذا الإشكال في كتابه “تصفية استعمار العقل” حين قال: “اللغة تحمل الثقافة، والثقافة تحمل منظومة القيم التي من خلالها يرى الناس أنفسهم والعالم”. إن الكتابة عن إفريقيا، بلغاتها وتجاربها، تصبح بالتالي شرطًا لتحرير المعرفة من مركزيتها الأحادية. ويزداد هذا البعد عمقًا حين ندرك أنّ حبّ إفريقيا ليس تمجيدًا رومانسيًا لمعاناة، وإنما اعترافٌ بقدرتها الاستثنائية على إنتاج المعنى وسط الخراب. فالثقافات الإفريقية، رغم ما تعرّضت له من تدمير وتشويه، احتفظت بأشكال غنيّة من الحكمة، والأسطورة، والرمز، والتضامن الجماعي. وهذا ما يجعل الكتابة عنها فعل مقاومة للمنظور الاستعماري الذي اختزلها في الفقر والعنف والتخلّف. وبالتالي، فالكتابة في هذا السياق تعيد الاعتبار للذاكرة الشفوية، وللفلسفات الضمنية التي سكنت الطقوس، والأغاني، والحكايات الشعبية.

إقرأ المزيد:  الكتابة من الهامش: بيان في المعنى والموقف والمسؤولية

أمّا على المستوى الأخلاقي، فإنّ حبّ إفريقيا يرتبط بالوقوف إلى جانب الإنسان المقموع في صراعه من أجل الكرامة. فالكتابة عنها ليست فعل شفقة أو احسان، بقدر ما هي التزامٌ بالإنصات إلى أصوات سُكِت عنها طويلًا. وهي بهذا المعنى، تندرج ضمن ما يمكن تسميته أخلاق الشهادة، حيث يتحوّل الكاتب إلى وسيط بين الألم والمعنى، وبين التجربة والصياغة الفكرية. إنّ الكتابة عن إفريقيا تحمّل صاحبها مسؤولية مزدوجة: مسؤولية عدم تشويه التجربة، ومسؤولية عدم تحويلها إلى مادة استهلاكية. وقد أكّد بول ريكور في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان” أنّ العدالة تبدأ من الاعتراف، والاعتراف لا يتحقّق دون سرد يُنصف الضحايا. من هذا المنظور، تصبح الكتابة عن إفريقيا ممارسة أخلاقية تهدف إلى إعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية التي جرى تهميشها.

ثم إنّ إفريقيا تتيح للفلسفة أن تتحرّر من تجريدها المفرط، وفي هذا الإطار لا تنفصل الأسئلة الوجودية عن الجوع، ولا تنفصل الحرية عن الأرض، ولا تنفصل الهوية عن الذاكرة الجمعية. وهذا التداخل بين الفكر والحياة يمنح الكتابة عنها كثافة إنسانية نادرة، ويجعلها قادرة على إعادة وصل الفلسفة بواقعها الملموس. لذلك يجد الكاتب فيها فرصة لإعادة تعريف معنى الالتزام الفكري. وقد لخّص أميلكار كابرال هذه الرؤية بقوله: “تحرير الأرض شرط لتحرير الإنسان، وتحرير الإنسان شرط لتحرير الثقافة”. هذا التلازم بين الفكر والحياة يمنح الكتابة عن إفريقيا كثافة وجودية نادرة.

في الأخير، فإنّ حبّ إفريقيا والكتابة عنها يعكسان وعيًا نقديًا بتاريخ الإنسانية ومساراتها غير العادلة. وكذلك الكتابة عنها تعني الانحياز إلى الإنسان حين يُدفع إلى الهامش، وإلى الذاكرة حين تُهدَّد بالنسيان، وإلى الفلسفة حين تستعيد دورها بوصفها مساءلة دائمة للسلطة والمعرفة. ولهذا تستمرّ إفريقيا في إلهام الفكر، ولهذا تظلّ الكتابة عنها فعلًا فلسفيًا بامتياز. وهي، قبل كل شيء، إعلان انحياز إلى الحياة حين تُجرَّد من صوتها، وإلى المعنى حين يُقصى إلى الهامش. ولهذا نحبّ إفريقيا، ولهذا نكتب عنها.