سلطة التفاهة وصناعة الفضيحة: نقد فلسفي لاقتصاد المؤثّرين وإعلام التشهير

“أخطر أشكال الرقابة ليست تلك التي تمنع الكلام، وإنما تلك التي تُغرق المعنى في ضجيج لا ينتهي.”

غي ديبور، مجتمع الاستعراض.

في زماننا الراهن أيّ معنى تبقّى للخطاب العمومي في زمن تحوّل فيه “المؤثّر” إلى سلطة رمزية بلا معرفة؟ وكيف انتقل الإعلام من وظيفة الإخبار إلى اقتصاد الفضيحة؟ ثم ما الذي يجعل التفاهة قادرة على احتلال مركز النقاش العام، في حين يُدفع التفكير النقدي إلى الهامش؟ هذه الأسئلة تفتح بابًا لفحص ظاهرة المؤثّرين وإعلام التشهير بوصفهما عرضًا عميقًا لأزمة ثقافية وأخلاقية ومعرفية.

إنّ المؤثّر في وسائل التواصل الاجتماعي يمثّل تحوّلًا جذريًا في مفهوم السلطة الرمزية. فالمكانة لم تعد تُبنى على الخبرة أو الفكرة أو الإنتاج المعرفي، وإنما على القدرة على جذب الانتباه. وقد نبّه غي ديبور مبكرًا إلى هذا التحوّل حين كتب في كتابه “مجتمع الفرجة”: “لقد ابتعد كل ما كان يُعاش مباشرةً ليتحول إلى تمثيل”. فالفرجة تحوّل الواقع إلى صورة، وتحلّ الصورة محلّ الفعل، وتستبدل التفكير بالمشاهدة. في هذا السياق، يصبح المؤثّر وسيطًا بين الجمهور ووهم المعنى، ويغدو حضوره قائمًا على الاستعراض الدائم للذات.

ويتغذّى هذا النموذج من منطق السوق، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين والتفاعلات، لا بعمق المحتوى. وقد أشار ماكس فيبر في تحليله للعقلنة الحديثة إلى أنّ هيمنة الحساب والمنفعة تؤدّي إلى ما سمّاه “نزع السحر عن العالم”. وفي حالة المؤثّرين، يتحوّل الإنسان ذاته إلى سلعة، وتُختزل التجربة الإنسانية في قابلية التسويق. حيث يعرض الجسد، الخصوصية، الألم، الفرح…، في سوق الانتباه بلا أيّ مسافة نقدية.

ويتقاطع هذا المشهد مع صعود إعلام التشهير والفضائح، حيث تُختزل الحقيقة في الإثارة، ويُستبدل التحقيق بالفضح، ويُستبدل النقاش العمومي الأخلاقي بمحاكمات جماهيرية شعبوية غوغائية. وقد حذّرت حانا آرنت في كتابها “أزمة الثقافة” من هذا الانزلاق حين ربطت بين تدهور الحكم الأخلاقي وهيمنة الرأي العام المنفلت، مؤكّدة أنّ الجماهير حينما تفقد علاقتها بالحقيقة تصبح قابلة لتصديق أيّ سردية مثيرة. وبالتالي، فإعلام الفضيحة يعمل وفق هذا المنطق، إذ لا يبحث عن الفهم، وإنما عن الصدمة.

إقرأ المزيد:  التعليم كركيزة للنهوض الحضاري في عصر التحولات الكبرى

ويكشف هذا النمط الإعلامي عن أزمة عميقة في العلاقة بين السلطة والمعرفة. في هذا الصدد بيّن ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والمعاقبة” أنّ السلطة لا تعمل عبر القمع المباشر فقط، وإنما عبر إنتاج خطاب يحدّد ما يُقال وما يُسكت عنه. وبهذا، فإعلام التشهير يمارس هذا الدور عبر توجيه الغضب الشعبي نحو أفراد، في حين تبقى البُنى الاقتصادية والسياسية بمنأى عن المساءلة. وتتحوّل الفضيحة إلى أداة إلهاء جماعي، تُفرغ الغضب في اتجاهات آمنة.

كما أنّ المؤثّرين يساهمون، بوعي أو بدونه، في تطبيع هذا العنف الرمزي. لأنه حين يتحوّل الرأي الشخصي إلى حقيقة، وحين يُقدَّم الانطباع السريع بوصفه معرفة، يُقوَّض أساس التفكير النقدي. وقد كتب إيمانويل كانط في مقالته “ما التنوير؟”: “التنوير خروج الإنسان من القصور الذي اقترفه في حقّ نفسه”. غير أنّ ثقافة المؤثّرين تعيد إنتاج هذا القصور عبر تشجيع الاتّباع الأعمى، والارتهان للخوارزميات، والرضا بالسطحي.

ومن وجهة نظر أخلاقية، يطرح هذا الواقع سؤال المسؤولية، حيث أن التشهير لا يدمّر سمعة فرد فقط، وإنما يساهم في إفساد الحسّ العام، ويحوّل الكرامة الإنسانية إلى مادة للفرجة. وقد أكّد بول ريكور في كتابه “الذات عينها كآخر” أنّ الاعتراف المتبادل شرط لكل أخلاق، وأنّ اختزال الآخر في خطأ أو فضيحة ينفي إنسانيته. لكن إعلام الفضائح يقوم على نفي هذا الاعتراف، ويستبدله بمنطق العقاب الجماعي.

في العمق، تعكس ظاهرة المؤثّرين وإعلام التشهير أزمة معنى، لأن المجتمع الذي يعاني فراغًا رمزيًا يبحث عن الإثارة بوصفها تعويضًا، وعن الفضيحة بوصفها حدثًا يمنحه إحساسًا زائفًا بالمشاركة. وقد لخّص زيغمونت باومان في كتابه “الحداثة السائلة” عن هذا الوضع في تحليله للحداثة حينما أشار إلى هشاشة الروابط والمعايير في عالم سريع الاستهلاك.

إقرأ المزيد:  تجربة الشك المنهجي في الفكر الإيماني: دراسة فلسفية مستلهمة من تجربة النبي إبراهيم عليه السلام

في الأخير، إنّ النقد المؤثّرين وإعلام التشهير لا يستهدف الأفراد، وإنما البنية الثقافية التي أنتجتهم. إنّه نقد لعالم استبدل الحقيقة بالضجيج، والمعرفة بالانتشار، والأخلاق بالمشاهدة. واستعادة الخطاب العمومي تقتضي إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وللمسؤولية، وللفكرة بوصفها فعل مقاومة في زمن التفاهة.