إنتاج المعرفة الرقمية وتشكيل الرأي العام في عصر الذكاء الاصطناعي: من الهيمنة الرمزية إلى هندسة السرديات

“من يملك القدرة على تسمية الأشياء، يملك القدرة على توجيه العالم.”

 بيير بورديو، الهيمنة الذكورية.

يشهد الفضاء الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي تحوّلًا جذريًا في طبيعة إنتاج المعرفة، وفي آليات تداولها وتأثيرها في الوعي الجمعي. لم يعد الرأي العام نتيجة تفاعل عفوي بين الأفراد والخطابات، وإنما أضحى نتاج منظومات معرفية وتقنية متداخلة، تتحكم في ما يُقال، وكيف يُقال، ولمن يُقال. ضمن هذا السياق، تبرز مسألة تشكيل الرأي العام بوصفها عملية معرفية–سياسية معقّدة، تتأسس على التحكم في مصادر المعرفة، وفي أنماط تمثيل الواقع، وفي السرديات التي تُضفى عليها صفة الشرعية والموضوعية.

ينطلق تحليل هذه الظاهرة من إدراك أن المعرفة، كما بيّن ميشيل فوكو، ترتبط ارتباطًا بنيويًا بالسلطة، حيث قال في كتابه “المراقبة والمعاقبة”: “السلطة تُنتج معرفة، والمعرفة تُنتج سلطة؛ ولا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى”. في الفضاء الرقمي، يتخذ هذا الارتباط شكلًا جديدًا، إذ تقوم الخوارزميات، ومحركات البحث، ونماذج الذكاء الاصطناعي بدور الوسيط غير المرئي الذي يعيد ترتيب المجال المعرفي، ويحدد ما يظهر بوصفه حقيقة، وما يُدفع إلى الهامش.

إن إنتاج المعرفة على الإنترنت لم يعد محصورًا في المؤسسات الأكاديمية أو الإعلامية التقليدية، وإنما أصبح مجالًا مفتوحًا تتقاطع فيه المقالات، والمدونات، ومراكز التفكير الرقمية، ومنصات التواصل، ونماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية. هذا الانفتاح الظاهري يخفي بنية انتقائية دقيقة، حيث تُكافأ بعض السرديات بالانتشار، ويُحاصر غيرها بالصمت أو التشكيك. هكذا، يتحول إنتاج المعرفة إلى أداة استراتيجية لتوجيه الرأي العام، عبر ترسيخ أطر تفسيرية محددة للوقائع، وتطبيع مفاهيم بعينها، وإعادة تعريف ما يُعدّ معقولًا أو مشروعًا داخل النقاش العمومي.

يُظهر بيير بورديو في كتابه “الهيمنة الذكورية”، وفي أعماله حول “الرأسمال الرمزي”، أن السيطرة لا تُمارس بالقوة الصريحة، وإنما من خلال فرض أنماط إدراك وتقييم تُقدَّم بوصفها طبيعية. في عصر الذكاء الاصطناعي، تتجسد هذه الهيمنة الرمزية في شكل محتوى معرفي يبدو محايدًا، تقنيًا، أو موضوعيًا، بينما يحمل في بنيته العميقة انحيازات ثقافية وإيديولوجية دقيقة. وبالتالي، فالخطر لا يكمن في الدعاية المباشرة، وإنما في تحويل السردية المهيمنة إلى ما يشبه البديهة المعرفية.

إقرأ المزيد:  أنطولوجيا الثقافة: الفعل الإنساني في بناء المعنى

تشكيل الرأي العام عبر إنتاج المعرفة الرقمية يقوم على ثلاث آليات مركزية. الآلية الأولى تتعلق بتأطير الأسئلة نفسها، إذ إن التحكم في ما يُطرح بوصفه سؤالًا مشروعًا يسبق التحكم في الأجوبة. وقد أشار هربرت ماركوزه إلى هذا البعد في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد”، حينما بيّن أن المجتمعات الصناعية المتقدمة تُفرغ النقد من مضمونه عبر حصر التفكير داخل أطر جاهزة. في الفضاء الرقمي، يُعاد إنتاج هذا المنطق عبر المحتوى الذي يحدد أجندة النقاش، ويمنح الأولوية لقضايا دون غيرها.

علاوة على ذلك، ترتبط الآلية الثانية بتكرار السردية وتدويرها عبر صيغ معرفية متعددة: مقال تحليلي، تقرير بحثي، فيديو تفسيري، ثم محتوى يولّده الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من تلك المواد. هذا التراكم يمنح السردية قوة إقناعية، ويخلق ما وصفه أنطونيو غرامشي في كتابه “دفاتر السجن” بالهيمنة الثقافية، حيث تصبح أفكار الطبقة أو الجهة المهيمنة “الحس المشترك” للمجتمع.

أما الآلية الثالثة فتتصل بالشرعية العلمية والأكاديمية، فحينما تُقدَّم السردية في قالب معرفي يستند إلى لغة البحث، والإحصاء، والمراجع، فإنها تكتسب سلطة رمزية مضاعفة. وقد نبّهت حانا آرندت في كتابها “بين الماضي والمستقبل” إلى خطورة تحويل الفكر إلى تقنية خالية من المسؤولية الأخلاقية، حيث يتحول العقل إلى أداة تبرير بدل أن يكون أداة مساءلة. في عصر الذكاء الاصطناعي، تتفاقم هذه الإشكالية، لأن المعرفة المنتَجة آليًا تُستقبل غالبًا بوصفها محايدة، رغم أنها انعكاس للبيانات والسرديات التي جرى تدريبها عليها.

ضمن هذا المشهد، تبرز ضرورة التفكير في كيفية خدمة سرديات بديلة أو نقدية عبر إنتاج معرفة رقمية واعية. لكن الأمر يتطلب تجاوز منطق الردّ الانفعالي، والانتقال إلى بناء مشروع معرفي متكامل، قادر على المنافسة داخل الفضاء الرقمي. لأن السردية التي لا تمتلك محتوى تحليليًا عميقًا، ولغة مفهومية واضحة، وأشكال عرض قابلة للتداول، تبقى محدودة الأثر مهما كانت عدالتها الأخلاقية.

إقرأ المزيد:  الحب كفعل مقاومة للعدم: قراءة فلسفية في رواية الحب في زمن الكوليرا

يقوم المقترح على تأسيس منصات معرفية رقمية تجمع بين الصرامة الأكاديمية والقدرة التواصلية، وتعمل على إنتاج محتوى طويل النفس، يُعاد تدويره بصيغ متعددة دون تفريغه من عمقه. ويشمل ذلك مقالات تحليلية مؤصلة، وملخصات مفاهيمية، ومواد تدريبية، مع توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تنظيم وتوسيع، لا بوصفه بديلًا عن التفكير النقدي. كما يستدعي المقترح بناء أرشيف معرفي خاص بالسردية المراد خدمتها، يُستخدم في تدريب النماذج اللغوية، بما يضمن حضور المفاهيم والهواجس والمرجعيات الخاصة بها داخل الفضاء الخوارزمي. هذه الخطوة تحوّل الصراع على الرأي العام من مستوى الخطاب الظرفي إلى مستوى البنية المعرفية العميقة.

وأخيرًا، يتطلب المشروع وعيًا أخلاقيًا بدور المعرفة، يربط بين إنتاج السردية والمسؤولية الفكرية. فكما قال بول ريكور في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان”: “التحكم في السرد هو تحكم في الذاكرة، والتحكم في الذاكرة هو تحكم في أفق الفعل”. وهكذا، ففي عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا التحكم أكثر دقة وخطورة، ما يجعل إنتاج المعرفة فعلًا سياسيًا بامتياز، يتطلب يقظة نقدية دائمة، وقدرة على تحويل الفكر إلى قوة تاريخية فاعلة.