من عقيدة مونرو إلى أزمة الشرعية الدولية: السياسة الخارجية الأمريكية وتفكك النظام العالمي

«القوة تميل إلى إفساد العلاقات بين الدول حين تنفصل عن القيود الأخلاقية والقانونية التي تمنحها معناها السياسي».

ريمون آرون، السلام والحرب بين الأمم (Paix et guerre entre les nations)

كيف تشكّلت الرؤية الأمريكية للعالم منذ عقيدة مونرو، وما الذي يجعلها تستمر بأدوات مختلفة في إدارة العلاقات الدولية حتى اليوم؟ إلى أي حد تعبّر سياسة العصا الغليظة، وملاحقة واعتقال قادة دول ذات سيادة، عن تصور خاص للشرعية الدولية يتجاوز حدود الدولة والقانون؟ هل تمثل الممارسات الأمريكية الراهنة دفاعًا عن نظام دولي قائم، أم أنها تسرّع تفككه عبر تقويض الثقة في القواعد والمؤسسات التي أُنشئت لتنظيمه بعد نهاية الحبر العالمية الثانية سنة 1945؟ كيف تستثمر الصين وروسيا هذه التحولات في إعادة ترتيب موازين القوة، خاصة في ملفات تايوان وأوكرانيا، وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الهيمنة الغربية؟ إلى أي مدى يسهم الانحياز الأمريكي في الصراع الإيراني–الإسرائيلي في إعادة إنتاج منطق الحرب الدائمة في الشرق الأوسط؟ وهل يتجه النظام الدولي نحو تعددية قطبية قادرة على إنتاج توازن جديد، أم نحو فوضى استراتيجية تُدار فيها القوة خارج أي أفق أخلاقي جامع؟ تشكل السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية أحد المفاتيح المركزية لفهم تحولات النظام الدولي منذ القرن التاسع عشر إلى اللحظة الراهنة. فهي سياسة لم تتأسس على ردود أفعال ظرفية، وإنما على تصورات فلسفية وتاريخية للسلطة، والسيادة، ودور القوة في تنظيم العالم. ومن خلال تتبع عقيدة مونرو (Monroe Doctrine)، وسياسة العصا الغليظة (Big Stick Policy) وممارسات الاعتقال والملاحقة القضائية لقادة دول العابرة للقارات، تتكشف بنية ذهنية ترى العالم مجالًا مفتوحًا للنفوذ، وتعيد تعريف القانون الدولي وفق موازين القوة.

تعود جذور هذه الرؤية إلى عقيدة مونرو سنة 1823، حين أعلن الرئيس جيمس مونرو أن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ أمريكي، وأن أي تدخل أوروبي فيه سيُعد تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة. لم تكن هذه العقيدة إعلانًا دفاعيًا فقط، وإنما تأسيسًا مبكرًا لفكرة المجال الحيوي. وقد لخّصها مونرو بقوله: «يجب النظر إلى القارتين الأمريكيتين بوصفهما لم تعودا مجالًا للاستعمار الأوروبي» (رسالة مونرو إلى الكونغرس، 1823). منذ تلك اللحظة، بدأ تشكّل تصور أمريكي للعالم يقوم على ثنائية الداخل المحمي والخارج القابل للتدخل. مع مطلع القرن العشرين، تطورت هذه الرؤية عبر سياسة العصا الغليظة التي صاغها ثيودور روزفلت، حين قال عبارته الشهيرة: «تحدث بهدوء واحمل عصا غليظة، وسوف تذهب بعيدًا» (Roosevelt, 1901). هذا المبدأ لم يكن توصيفًا بلاغيًا، وإنما برنامجًا عمليًا يربط الدبلوماسية بالقوة العسكرية والاقتصادية. وقد تجسد في التدخلات المتكررة بأمريكا اللاتينية، وفي تحويل السيادة إلى مفهوم قابل للتعليق عند تعارضه مع المصالح الأمريكية.

في السياق المعاصر، اتخذ هذا المنطق شكلًا أكثر تعقيدًا، عبر توظيف القانون الوطني والدولي، والعقوبات، والمحاكم، في إطار ما يمكن تسميته بـ«السيادة القضائية العابرة للحدود». فملاحقة قادة دول واعتقالهم، أو السعي إلى تسليمهم، يعكس تصورًا يرى أن العدالة الدولية تُمارَس من مركز واحد. إن قضية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وما رافقها من مذكرات توقيف ومكافآت مالية وبعد ذلك اعتقاله في 3 يناير 2026، تكشف كيف تتحول السياسة الخارجية إلى ممارسة غير أخلاقية قسرية، تُعيد تعريف الشرعية السياسية خارج سياق الشعوب والدول. في هذا الإطار، يستحضر تحليل هانز مورغنثاو الذي يرى أن «السياسة الدولية صراع على القوة مقنّع بلغة الأخلاق» (Politics Among Nations). هذه الممارسات تترك أثرًا عميقًا على بنية النظام الدولي. فهي تُسرّع تآكل الثقة في المؤسسات الدولية، وتدفع قوى كبرى إلى البحث عن بدائل استراتيجية. في هذا السياق، يظهر رد فعل الصين وروسيا بوصفه استثمارًا تاريخيًا في أخطاء الهيمنة الأمريكية. فبكين تقدّم نفسها كقوة تحترم سيادة الدول، وتستخدم خطاب عدم التدخل لتعزيز نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي، خاصة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد عبّر شي جين بينغ عن هذا التوجه بقوله: «لا يمكن فرض نموذج حضاري واحد على العالم» (خطاب الحزب الشيوعي الصيني، 2017).

إقرأ المزيد:  من الاكتشاف الجغرافية إلى الهيمنة الحضارية: تشكّل القوة الأمريكية ومسارها في التاريخ العالمي

أما موسكو، فقد وجدت في الأزمة الأوكرانية فرصة لإعادة طرح سؤال الأمن الأوروبي، وكشف حدود التمدد الأطلسي. فالحرب في أوكرانيا ليست حدثًا منفصلًا عن تاريخ طويل من توسع النفوذ الغربي، وإنما نتيجة تراكمات استراتيجية. يقول جورج كينان في هذا الصدد أن «توسيع مناطق النفوذ دون إدراك حساسية القوى الأخرى يقود حتمًا إلى الصراع» (The Sources of Soviet Conduct). هذا المنطق يعيد إنتاج ذاته في شرق آسيا، حيث تراقب الصين ملف تايوان باعتباره اختبارًا لمصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على فرض خطوطها الحمراء. وفي الشرق الأوسط، يتقاطع هذا التحول مع الصراع الإيراني–الإسرائيلي، الذي يمثل أحد أكثر تجليات النظام الدولي اختلالًا. حيث أن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، مقابل محاصرة إيران سياسيًا واقتصاديًا، يعكس سياسة معايير مزدوجة تُقوّض أي ادعاء بالحياد. هذا الصراع يتخذ شكل حرب ظل، تقوم على الردع غير المباشر، والضربات المحدودة، وإدارة التوتر. وقد وصف ريمون آرون هذا النمط بقوله: «نعيش في عالم سلام مسلح، حيث الحرب حاضرة دون إعلان» (Peace and War).

إن تراكم هذه السياسات يدفع النظام الدولي نحو إعادة تشكّل عميقة. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية مضطربة، حيث تتراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها منفردة، دون أن يعني ذلك اختفاء نفوذها. ما يتغير هو شكل الهيمنة وأدواتها، وحدود فعاليتها. ويصدق في هذا السياق قول أنطونيو غرامشي: «تكمن أزمة عصرنا في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد» (دفاتر السجن). يكشف المسار الراهن للعلاقات الدولية عن تراجع عميق في مكانة القانون الدولي والمنظمات العالمية، حيث تحوّلت هذه الأطر من فضاءات لضبط الصراع إلى ساحات تعكس اختلال موازين القوة. فمجلس الأمن، والمحاكم الدولية، ومؤسسات الأمم المتحدة، باتت عاجزة عن فرض قراراتها حين تتعارض مع مصالح القوى الكبرى، الأمر الذي يفرغ مفهوم الشرعية من مضمونه العملي. يشير مارتّي كوسكينيمي إلى أن «القانون الدولي يتأرجح دائمًا بين الأخلاق والسياسة، وحين تهيمن السياسة يفقد القانون قدرته الإلزامية» (From Apology to Utopia). هذا التآكل يظهر بوضوح في التعامل الانتقائي مع الحروب، والعقوبات، وحقوق الشعوب، حيث تُعلّق القواعد أو تُفعّل وفق موقع الدولة داخل هرم القوة. وبدل أن تشكّل المنظمات العالمية آلية لتقييد العنف، أصبحت جزءًا من إدارة الأزمات دون القدرة على معالجتها جذريًا، ما يعمّق أزمة الثقة العالمية ويغذّي نزعات الانسحاب من النظام الدولي القائم. في هذا السياق، يتحقق تحذير حنة آرنت من أن «انهيار القانون يفتح الطريق أمام سياسة القوة العارية» (The Origins of Totalitarianism)، وهو مسار يهدد بإعادة العالم إلى منطق الاستثناء الدائم، حيث تُدار العلاقات الدولية خارج أي أفق قانوني جامع.

تتجلى الدروس المستفادة من تحولات السياسية الخارجية الأمريكية، في ما يلي:

  • استمرارية الذهنية الإمبراطورية في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تتغير الأدوات والخطابات بينما يبقى منطق المجال الحيوي وفرض الإرادة حاضرًا منذ عقيدة مونرو إلى الممارسات المعاصرة.
  • تحوّل القانون الدولي من إطار ناظم للعلاقات بين الدول إلى أداة انتقائية تُستخدم لتجريم الخصوم وحماية الحلفاء، ما يؤدي إلى تآكل مفهوم الشرعية الدولية.
  • فشل سياسة العصا الغليظة في إنتاج استقرار دائم، إذ تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية والقضائية إلى تراكم المظلومية وتعزيز نزعات المقاومة والتحالف المضاد.
  • تسريع تآكل الثقة العالمية في القيادة الأمريكية، نتيجة ازدواجية المعايير في قضايا السيادة وحقوق الإنسان والصراعات الإقليمية.
  • تحوّل ملاحقة قادة الدول واعتقالهم إلى سابقة خطيرة تعيد تعريف السيادة خارج إرادة الشعوب، وتفتح الباب أمام منطق الانتقام المتبادل بين القوى الكبرى.
  • كشف محدودية القوة الأمريكية المنفردة في عالم تتعدد فيه مراكز التأثير الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي.
إقرأ المزيد:  العالم على عتبة التحوّل: أزمات متزامنة وملامح تشكّل النظام العالمي الجديد

ومن خلال ما سبق، نستنتج أن العالم يسير نحو:

  • تسارع الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، مع تراجع القدرة الأمريكية على فرض قواعد عامة دون توافق أو تكلفة عالية.
  • استثمار الصين وروسيا لتآكل الشرعية الأمريكية في تعزيز خطاب السيادة وعدم التدخل، وتوسيع نفوذهما في آسيا وأوراسيا والجنوب العالمي.
  • تصاعد التوتر حول تايوان بوصفه أحد أخطر ملفات الصراع المستقبلي، في ظل اختبار مستمر لحدود الردع الأمريكي.
  • استمرار الحرب في أوكرانيا بوصفها ساحة صراع طويل الأمد يعيد تشكيل الأمن الأوروبي ويعمّق القطيعة بين روسيا والغرب.
  • تفاقم الصراع الإيراني–الإسرائيلي ضمن منطق الحرب غير المعلنة، مع احتمال اتساع دوائر المواجهة الإقليمية دون الوصول إلى حرب شاملة.
  • اتساع دور الأدوات غير العسكرية في الصراع الدولي، مثل العقوبات، التكنولوجيا، السيطرة على المعرفة، والحروب القانونية والإعلامية.
  • بروز فرص أمام دول الهامش لإعادة التموضع وبناء تحالفات بديلة، شريطة امتلاك رؤية استراتيجية وسيادة معرفية تقلل من الارتهان لمراكز القوة التقليدية.

في الأخير، تكشف السياسة الخارجية الأمريكية عن مفارقة تاريخية عميقة، حيث تسعى إلى صون نظام دولي شاركت في بنائه وتحديد قواعده، عبر أدوات سياسية وعسكرية وقانونية تُسهم تدريجيًا في إضعاف الأسس التي يقوم عليها هذا النظام نفسه. فالإفراط في توظيف القوة، واللجوء إلى العقوبات العابرة للحدود، وممارسة الوصاية السياسية على دول ذات سيادة، كل ذلك يسرّع تآكل الثقة في فكرة النظام الدولي بوصفه إطارًا مشتركًا، ويحوّله إلى بنية غير متكافئة تُدار وفق منطق الغلبة. وفي ظل صعود قوى منافسة مثل الصين وروسيا، لم تعد هذه السياسات تنتج الردع بقدر ما تولّد سباقات نفوذ، وتحالفات مضادة، ومساحات صراع مفتوحة تتجاوز السيطرة الأمريكية التقليدية.

يدخل العالم، على هذا الأساس، مرحلة انتقالية تتسم بإعادة تعريف عميقة لمفاهيم السيادة والقانون والقوة. فالقانون الدولي يفقد طابعه الكوني ليصبح أداة تفاوض وصراع، والسيادة تُعاد صياغتها وفق القدرة على الصمود لا وفق الاعتراف الشكلي، بينما تتحول القوة إلى مزيج معقّد من الاقتصاد والتكنولوجيا والمعرفة والعنف المنظم. مستقبل النظام الدولي لن يُحسم عبر انتصار قطب واحد، وإنما عبر صراع طويل على المعايير والمعاني، يتحدد مآله بقدرة الفاعلين الدوليين على تجاوز منطق العصا الغليظة، وبناء توازن جديد يقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام التعدد، وإعادة الاعتبار للسياسة بوصفها مجالًا للتدبير المشترك لا للهيمنة. وفي غياب هذا التحول، سيظل النظام العالمي عالقًا في منطقة رمادية، يتآكل فيها القديم دون أن يولد الجديد، وتتسع فيها دوائر الصراع على حساب إمكانات الاستقرار والعدالة.

****

لتحميل التحليل الثاني لمدونة الهامش أنقر على الرابط التالي: تنزيل المقال