“أولاد حارتنا”.. الحارة والجبلاوي والبحث عن المعنى

يقول نجيب محفوظ في رويته المثيرة للجدل “أولاد حارتنا”:

“هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق. لم أشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته، ولكني سجلتها جميعًا كما يرويها الرواة، وما أكثرهم!”

“ولستُ أول مَن اختار المتاعبَ في حارتنا، كان بوُسع جبل أن يبقى في وظيفته عند الناظر، وكان بوُسع رفاعة أن يصير نجارَ الحارة الأول، وكان في وُسع قاسم أن يهنأ بقمر وأملاكها، وأن يعيش عيشةَ الأعيان، ولكنهم اختاروا الطريقَ الآخَر”. بهذه العبارة يفتتح نجيب محفوظ روايته الشهيرة أولاد حارتنا، مقدّمًا مسألة الاختيار والحرية التي ترافق الإنسان في كل زمن. ويضيف الراوي في الافتتاحية: “هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق… وجدُّنا هذا لغز من الألغاز… وكان يُدعى الجبلاوي، وباسمه سميت حارتنا”، هذا القول يرسم الصورة الأولى لعالم يفيض بالرموز، حيث الحارة تمثل العالم الإنساني بأكمله، والجبلاوي يمثل الأصل والمطلق، والصراع بين الأبناء يعكس صراع الإنسان مع ذاته ومع الكون.

تتحول الحارة إلى فضاء رمزي يجمع التاريخ بالأسطورة، والإيمان بالمعرفة، والطاعة بالتمرد، فتتشابك الحكايات وتتكرر الأحداث كما تتكرر محاولات الإنسان لاكتشاف العدالة والحق. كما أن البيت الكبير الذي يقيم فيه الجبلاوي يمثل مركز الوجود ومصدر المعنى، والحارة تمثل امتداد الزمن البشري الذي يعيد إنتاج الصراع عبر الأجيال. يسأل الراوي: “أليس من المحزن أن يكون لنا جدٌّ مثل هذا الجد دون أن نراه أو يرانا؟ أليس من الغريب أن يختفي هو في هذا البيت الكبير المغلق وأن نعيش نحن في التراب؟!” يظهر السؤال التوتر بين الغياب والحضور، بين القوة المطلقة والوعي البشري، ويكشف كيف أن الإنسان يعيش في حالة دائمة من البحث عن معنى وسط غياب القوى العليا أو المطلق بتعبير هيجل.

علاوة على ذلك، يمثل الجبلاوي السلطة الأولى والخير الأعلى، لكنه غائب، وهذا الغياب يولد الفراغ الذي يملأه الأبناء، الذين يمثلون القوة الأرضية الملتبسة بين العدل والطغيان. هكذا تتجلى مأساة الإنسان أمام غياب المطلق، تمامًا كما طرح نيتشه في كتابه “هكذا تكلم زردشت” فكرة “موت الإلهّ”؛ إذ يضطر الإنسان إلى مواجهة العالم بمفرده، ويحمل المسؤولية عن خياراته، ويصنع القيم بنفسه. ومن ثمة، يصبح الجبلاوي رمزًا مزدوجًا: مصدر الرحمة والخير والقداسة، وفي الوقت نفسه مصدر الصمت الذي يدفع البشرية إلى الشك والسعي، وهو تجسيد للصراع بين الإيمان بالعالم والوعي بالغياب.

إقرأ المزيد:  تأملات حضارية في النهضة المنتظرة: بين الوعي والفكر في العالم العربي

في المقابل، يجسد أبناء الجبلاوي مراحل تطور الوعي البشري، حيث يمثل “أدهم” لحظة الطرد الأولى من البيت الكبير، رمز الفضول والمعرفة، والوعي المتمرد على القوانين المفروضة، وهو نقطة البداية التي تقود إلى اكتشاف الذات والعالم. كما يمثل “جبل” القوة الاجتماعية والعدل، والإنسان الذي يسعى لتنظيم الحياة على قواعد المساواة، حامل رسالة المقاومة. بينما يرمز “رفاعة” إلى الوعي الروحي، إلى التضحية بالذات من أجل الخير العام، وإلى الرحمة التي تفتح طريق الخلاص. أما “قاسم” فيمثل التنظيم والعقلانية، والإنسان الذي يربط بين أفراد الحارة حول فكرة العدالة ويؤسس نظامًا جديدًا. و”عرفة” يمثل الإنسان الحديث الباحث عن الحقيقة في العلم والمعرفة، الذي يجعل من التجربة تحل محل المعجزة، ويمثل رحلة الإنسان نحو العقل والاكتشاف والتجربة الفردية. وهكذا، فانتقال الرواية من أدهم إلى عرفة تعكس رحلة الإنسان من الأسطورة إلى العقل، ومن الطاعة إلى السؤال، ومن الغيب إلى التجربة الإنسانية، دون أن يتحرر تمامًا من قيود القدر، لأن المعرفة التي لا ترافقها الرحمة تتحول إلى قوة مدمّرة، كما يظهر في حادثة قتل عرفة للجبلاوي.

بالإضافة إلى ذلك، يجسد عرفة الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة باستخدام العقل، ولكنه يواجه مأساة القدر حين تتحول التجربة إلى مأساة رغم نواياه الطيبة. ومع موت الجبلاوي، لا ينتهي التاريخ، بل يستمر وعي جديد يحمل بذور التغيير، كما يقول الراوي: “هنا يقيم الجبلاوي، صاحب الأوقاف، هو الجد ونحن الأحفاد “. هذا القول يعبر عن فكرة مفادها: المعرفة طريق طويل نحو النور، والجبلاوي يستمر عبر سعي الإنسان نفسه، لأن الإرث الحقيقي للوجود لا يزول، والإنسان يظل في رحلة مستمرة لاكتشاف معنى الحياة.

تتناول الرواية الحرية والمسؤولية، فكل فرد في الحارة يواجه خيارًا وجوديًا، ويقرر ما بين الطاعة أو اختيار المتاعب، وهي تجربة تشبه ما عبّر عنه سارتر بقوله: “الإنسان محكوم عليه بالحرية”، لأن وجوده يتحدد من خلال أفعاله واختياراته. وفي الحارة يولد الفعل من رحم المعاناة، جبل يُقتل من أجل العدالة، رفاعة يُصلب من أجل الرحمة، قاسم يحارب من أجل الوحدة، وعرفة يخسر كل شيء من أجل المعرفة. هكذا تصبح التجربة الإنسانية رحلة مستمرة بين الألم والأمل، بين الخطيئة والبحث عن المعنى، بين التمرّد والالتزام.

يربط محفوظ في رويته بين الدين والعقل، بين الرمزية والوعي، فهو لا يهاجم العقيدة، بل يوضح تطورها عبر التاريخ، حيث تتحول الطاعة البريئة إلى نظام، والنظام إلى سلطة، ثم يظهر الإنسان الذي يثور باسم الحرية. وتجسّد شخصية عرفة هذا التمرد الخلاق، وهو يحاول منح الحياة معنى وسط صمت العالم، هذا ما يوضحه بول ريكور حينما يقول: “أن الرمز يمنح الفكر مجالًا للتأمل”، فكل حدث في الحارة قابل للتفسير على مستويات دينية وفلسفية واجتماعية، والحارة تقرأ كالعالم، والجبلاوي كالإله أو السلطة، والأبناء كرموز للأنبياء والمفكرين، وعرفة رمز للإنسان الحديث الذي يواجه تاريخه باستخدام أدوات جديدة.

إقرأ المزيد:  أبو الريحان البيروني والمنهج العلمي باعتباره انتقالًا من المعطى الواقعي إلى الفهم العقلي

إن الذاكرة الجماعية والتناقل بين الأجيال يعكسان العلاقة بين التاريخ والنسيان، إذ يقول الراوي: “جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات، يرويها كلٌّ كما يسمعها في قهوة حيِّه أو كما نُقلتْ إليه خلال الأجيال…”، هكذا تعكس الحكايات التاريخ، لكنها تتشكل بالذاكرة والعاطفة والسلطة، ومع كل إعادة سرد يظهر التاريخ ككيان حيّ، لا كتسجيل جامد، والوعي الإنساني يتكشف من خلال هذه العملية.

ما يميّز محفوظ هو دمج الفكر بالعاطفة، فالشخصيات تتحرك بدافع الألم والأمل، والعاطفة تولّد الفعل والتغيير، رفاعة يغيّر الحارة بحبه للناس، قاسم يوحّدها بعاطفة الإيمان، وعرفة يحركها بشغف المعرفة، وفي هذا المزج تنكشف إنسانية الرواية، حيث الفعل الإنساني لا ينشأ من العقل وحده، بل من القلب أيضًا. النهاية المفتوحة تشير إلى أمل الإنسان في تجاوز ذاته، إذ تظل الحارة موجودة، والظلم قائم، والعلم لم يحقق الخلاص الكامل، غير أن بذور التغيير موجودة دائمًا، وهذا الأمل يتوافق مع فلسفة بلوخ، الذي رأى التاريخ حركة دائمة نحو المستقبل، حيث كل فشل يخفي إمكانية جديدة، وكل تجربة تحمل بذرة لميلاد وعي جديد.

في الأخير، الرواية لا تحكي عن الماضي فقط، بل تطرح تجربة الإنسان في كل زمان، إنها نص فلسفي في هيئة حكاية، ملحمة روحية تعيد صياغة الأسطورة الدينية والوعي الحديث، من أدهم إلى عرفة، يسير الإنسان في طريق طويل نحو النور، مليء بالتعب والأسئلة والدموع، ونجيب محفوظ يضع القارئ أمام المرآة الكبرى التي تعكس هشاشتنا وقوتنا في الوقت نفسه، لأن الحارة تمثل العالم، والجبلاوي يمثل الأصل، وأولاده يمثلون الإنسان الذي يبحث عن معنى في عالم واسع من الغيب والعقل والرحمة والمعرفة والخطأ والأمل. ونختم بما قاله الراوي: “لا بُدَّ للظلم من آخِر، ولليل من نهار، ولنرين في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب”.