إتقان الحِرفة ودهشة الرحّالة: شهادة ابن بطوطة عن الصين

“حينما يتجول الإنسان في آفاق العالم، يكتشف أن الحضارات تُقاس بقدرتها على صنع الدهشة، وأن الأمم التي تُتقن ما تصنع تترك أثرًا أبقى من الممالك والجيوش. فالصناعة في جوهرها لغة الشعوب، تُخبر عن قيمهم، وتكشف مستوى وعيهم وتنظيمهم، وتُجسّد علاقتهم بالزمن والإبداع.”

كيف يمكن لرحّالة واحد أن يعيد تشكيل معرفتنا بالعالم؟ وكيف تتحول الملاحظة إلى شهادة تاريخية تُظهر تفوق حضارة على أخرى؟ وهل يستطيع المسافر أن يرى ما لا يراه أبناء البلاد، فيقدّم وصفًا يكشف روح المكان وطبائع أهله؟ ثم كيف يمكن لحضارة ما أن تبلغ درجة من الإتقان تجعل من صناعاتها معيارًا تقاس به براعة الأمم؟ هذه الأسئلة ترسم الإطار الذي يقودنا إلى شهادة ابن بطوطة عن الصين، وهي شهادة لم تُكتب من بعيد، وإنما انطلقت من معاينة مباشرة عاش تفاصيلها.

أبو عبد الله الطنجي المعروف بابن بطوطة (1304 – 1368مـ / 703 – 779هـ)، هو الرحالة المغربي الشهير عاش في القرن 14 الميلادي، قدم وصفًا مذهلًا للصين في رحلاته الطويلة، حيث خصص مساحة كبيرة للحديث عن براعتهم في الصناعات التي شهدها عن كثب، فقد كانت الصين بالنسبة له رمزًا لحضارة متقدمة، تجمع بين الدقة الحرفية والابتكار الفني، مما جعلها تتفوق على سائر الأمم في مجالات متعددة. في كتابه الشهير “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، قال عن أهل الصين: “وأهل الصين أعظم الأمم إحكامًا للصناعات وأشدهم إتقانًا فيها؛ وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه”، هذا الاقتباس يعكس دهشة ابن بطوطة أمام ما شاهده من مهارة وإتقان جعل من الصناعات الصينية شاهدًا حيًا على ثقافة متجذرة في الإبداع والتطوير، فإعجابه لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة مقارنة دقيقة بين ما رآه في الصين وما شاهده في أماكن أخرى من العالم، ليصل إلى استنتاج واضح بأن ما تميز به الصينيون من إحكام وإتقان لم يكن له نظير في ذلك الزمن، كما رأى في الصين مثالًا على تميز الحضارات عندما تستثمر في الكفاءة الحرفية والتنظيم المتقن، وهو ما جعله يسجل شهادته هذه بإعجاب واضح واحتفاء كبير.

إقرأ المزيد:  الحنين إلى “الأندلس”: بين الذاكرة والتاريخ والوعي الجمعي

إن الصناعات الصينية، كما وصفها ابن بطوطة، لم تكن نشاطًا عاديًا وإنما تعبيرًا عن ثقافة متجذرة تتسم بالدقة والابتكار والابداع…، ومن بين جميع الفنون، لفت انتباهه “فن التصوير” بشكل خاص، حيث قال: “وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم، فإن لهم فيه اقتدارًا عظيمًا”، يعكس هذا الوصف المكانة العالية التي حظي بها هذا الفن في الصين، إذ كان يتميز بإتقان استثنائي ودقة مدهشة في محاكاة التفاصيل. ومن أبرز التجارب التي عاشها ابن بطوطة في الصين كانت خلال زيارته لمدينة السلطان “الإمبراطور”، يروي كيف دخل المدينة مع أصحابه مرتديًا زيًا عراقيًا، ثم زار قصر السلطان، وأثناء عودته من القصر، مرّ بسوق النقاشين ورأى مشهدًا أذهله، حيث قال: “فلما عدت من القصر عشيًّا مررت بالسوق المذكورة، فرأيت صورتي وصورة أصحابي منقوشة في كاغد، قد ألصقوه بالحائط، فجعل كل واحد منا ينظر إلى صورة صاحبه، لا تخطئ شيئًا من شبهه”، هذه الحادثة تظهر مهارة النقاشين الصينيين الذين تمكنوا من رسم صور دقيقة للغاية بسرعة كبيرة ودون أن يلاحظ الرحالة وأصحابه ذلك.

ما أدهش ابن بطوطة بشكل أكبر هو كيف أن التصوير “فن الرسم” لم يكن مقتصرًا على الجانب الفني فقط، وإنما استُخدم كأداة عملية تخدم الأمن والنظام الاجتماعي، أوضح ذلك بقوله: “وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثوا صورته إلى البلاد وبحث عنه، فحيثما وجد شبه تلك الصورة أُخذ”، هذا الاستخدام العملي للتصوير يعكس تنظيمًا متطورًا، حيث تحوّل الفن إلى وسيلة لتعقب الغرباء وضمان الأمن. علاوة على ذلك، أشار ابن بطوطة إلى مقارنة تاريخية مشابهة تتعلق بقصة سابور ذي الأكتاف أو سابور الثاني، أحد ملوك الفرس، قال: “هذا مثل ما حكاه أهل التاريخ من قضية سابور ذي الأكتاف ملك الفرس، حين دخل إلى بلاد الروم متنكرًا”، في تلك الحادثة تم التعرف على الملك من خلال صورته المنقوشة على الأواني، وهو ما يؤكد أهمية التصوير كوسيلة للتعرف على الأشخاص.

إقرأ المزيد:  المهمشون في التاريخ.. صُنّاع التاريخ الذين ابتلعهم النسيان

ما نقله ابن بطوطة عن الصين والصناعات التي شاهدها هناك يعكس فهمًا عميقًا لدور الحرف اليدوية والفنون في تشكيل هوية المجتمع الصيني، حيث لم تقتصر براعة الصينيين على الجوانب الجمالية والابتكارية فحسب، وإنما امتدت لتشمل تطبيقات عملية أسهمت بشكل مباشر في خدمة النظام الاجتماعي والتنظيمي للمجتمع، فقد كانت الفنون وعلى رأسها التصوير، أداة لربط الناس بالحياة اليومية وتنظيم الشؤون الاجتماعية، حيث كان التصوير في الصين وسيلة لربط الناس بحياتهم العملية، حيث كان له وظائف عملية تُستخدم لأغراض أمنية وإدارية. فعلى سبيل المثال، كان التصوير وسيلة لتعقب الغرباء أو تحديد هويتهم في حال فرارهم، مما يعكس كيف أن المهارات الفنية يمكن أن تتداخل مع الجوانب العملية في المجتمع، هذا الدمج بين الفن والوظائف العملية كان جزءًا من ثقافة مبتكرة تهدف إلى تعزيز النظام الاجتماعي وترسيخ الأمن والاستقرار.

في الأخير، تظل شهادة ابن بطوطة على الصين واحدة من أهم الأدلة على تفوقها في الصناعات والفنون، فإحكامهم للصناعات كما وصفه الرحالة لم يكن مظهرًا سطحيًا بل كان انعكاسًا لحضارة متقدمة تجمع بين الإبداع، الدقة، والتطبيق العملي. الصين التي وصفها ابن بطوطة تقدم درسًا خالدًا في كيف يمكن للفن والصناعة أن يساهما في بناء مجتمع منظم ومزدهر، حيث تتكامل الجوانب الفنية والعملية لخلق نموذج حضاري متفرد. اليوم، ما زال النموذج الصيني يحتفظ بسماته الفريدة في دمج الفن والصناعة والتكنولوجيا لخدمة المجتمع، فالصين الحديثة تعد واحدة من القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، حيث تتصدر مجالات التصنيع والابتكار التقني مثل الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات.