التاريخ الرمادي.. من يكتب الماضي؟

“ليس للتاريخ لون واحد؛ فما نقرأه ليس ما حدث، بل ما كُتب عمّا حدث، وما كُتب ليس إلا ظلالًا لصراعٍ لم يُحسم بعد بين الذاكرة والنسيان، بين السلطة والحقيقة.”

في كتب التاريخ، لا تُكتب الحقيقة، بل يُكتب ما نجا من الحرق، والنسيان، والانحياز، والطمس…، في قلب هذه المرويات التاريخية، يتشكّل ما يمكن أن نسميه “التاريخ الرمادي” — ذلك الحقل المعتم بين الأبيض والأسود، بين الخير والشر، بين الجلاد والضحية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل للتاريخ لون؟ وهل يمكننا أن نفصل بين ما حدث فعلاً، وما رُوي أنه حدث، وبين ما تمنينا لو أنه حدث؟

لا يُروى التاريخ كما كان، بل كما أراد له المنتصرون أن يكون. وقد نبّهنا نيتشه صاحب المطرقة أنه “لا يكفي لطالب الحقيقة أن يكون مخلصاً في قصده بل عليه أن يترصد إخلاصه ويقف موقف المشكك فيه، لأن عاشق الحقيقة إنما يحبها لا لنفسه بل مجاراة لأهوائه بل يهيم بها لذاتها ولو كان ذلك مخالفاً لعقيدته”. هذه المقولة، حين تُسقط على التاريخ، تُظهر أن السرديات الكبرى — القومية، المذهبية، الطبقية — لا تنقل الوقائع بقدر ما تُلبسها معاني. وهكذا، يصير التاريخ خطاباً، لا مرآة للحاضر. الخطاب الذي يشكّل الذاكرة الجمعية، يصنع الهوية، ويقمع كل ما يناقضه، حتى لو كان صادقاً. في هذا السياق، يبرز “التاريخ الرمادي” كمساحة فلسفية لسؤال ما لا يُقال، وفهم ما تم تجاهله أو تحويره، إنه تاريخ الذين لم يُسمع صوتهم، والذين لم تُنصف ذاكرتهم: المتمردين الذين وُصفوا بالخونة، الشعوب التي أُخضعت باسم الحضارة، الضحايا الذين وُصفوا بأنهم أرقام أو أضرار جانبية.

تاريخ الإسلام على الرغم من قداسته، ليس استثناءً من هذه البنية الرمادية؛ إذ سرعان ما تحوّل من لحظة وحي طاهرة إلى سلسلة من الصراعات البشرية الدموية على السلطة والتأويل. وهذا لا ينتقص من جوهر الرسالة، بقدر ما يكشف أن الإنسان حين يروي التاريخ، يفعل ذلك من موقع المصالح لا من مقام الحقيقة والعدالة. على سبيل المثال: فتنة مقتل الخليفة عثمان بن عفّان تُعد لحظة مفصلية يختلف حولها الرواة: فهناك من يراه شهيدًا للخلافة العادلة، وهناك من ينتقد سياسته التي اتسمت، بحسب خصومه، بمحاباة أقاربه من بني أمية. تتداخل الروايات وتتباين الأحكام، حتى تغدو الضحية متهمًا والمتآمر مظلومًا. ومعركة صفّين بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان تمثل مثالًا صارخًا على هشاشة اليقين الأخلاقي في السياسة الإسلامية المبكرة: أكان علي على صواب في حمل السيف دفاعًا عن الشرعية؟ أم أن معاوية كان أحقّ بالمطالبة بالقصاص؟ وحتى مشهد رفع المصاحف في قضية التحكيم الذي بدا لحظة إيمانية، لا يخلو من التوظيف السياسي. في هذا المسار الملتبس، تتكشّف لنا الرمادية العميقة التي لا تفصل بين المبدأ والمصلحة، ولا بين النص القرآني والحيلة السياسية.

إقرأ المزيد:  الحنين إلى “الأندلس”: بين الذاكرة والتاريخ والوعي الجمعي

ثم جاءت الدولة الأموية لتعمّق هذا التناقض، إذ أنشأت أول نظام ملكي وراثي باسم الإسلام، فاعتبرها البعض امتدادًا لقوة الدولة الناشئة، بينما رآها آخرون خيانة صريحة لمبدأ الشورى. وشخصية يزيد بن معاوية تجسّد هذا الانقسام الحاد: طاغية دموي عند طائفة، وأمير مؤمنين عند أخرى. وتبلغ هذه الرمادية ذروتها في ثورة الحسين في كربلاء، ذلك الحدث الذي يُقرأ في آنٍ واحد بوصفها شهادة على الحق ومأساة استُغلّت طائفيًا على مر العصور. أما الثورة العباسية التي جاءت على صهوة شعار “الرضا من آل محمد”، فلم تلبث أن انقلبت إلى دولة تسلك مسالك البطش، وتقتل رجالها — كأبي مسلم الخراساني — حين يصبح وجودهم عبئًا على السلطة الجديدة. وهكذا، فبين لحظة الثورة ولحظة الدولة، تتغير الأدوار: الثائر يُمحى من الذاكرة، والمنتصر يُؤلّه، ويُعاد سرد الحكاية بما يليق بمقام الغالب.

إذا كان اللون الأبيض في التاريخ يمثل اليقين الأخلاقي، والأسود يمثل الشر المطلق، فإن الرمادي هو المنطقة التي تنهار فيها هذه الثنائية. هنا، يتقاطع الإنسان مع مصالحه، يُبرّر العنف باسم المبادئ، وتُقدّس الكارثة على أنها “ضرورة تاريخية”. إذن: هل يمكننا أن نثق في الوثيقة؟ هل كُتبت تواريخ الخلفاء، الفتوحات، والعلماء، بروح نقدية؟ أم أن الكثير منها كُتب في ظل سلطة تملي ما يجب أن يُقال؟ ما وصلنا من كتب الطبري والواقدي وابن كثير، رغم عظمتها، كُتب في سياقات سياسية، وكانت تخضع لمنطق الرواية المنتقاة، والإسناد المنزّه عن الشك.

إضافة إلى ذلك، ماذا يعني أن نحكم على أفعال حدثت منذ قرون بمنظورنا الأخلاقي المعاصر؟ هل نقيم عمر بن الخطاب بميزان الديمقراطية الحديثة؟ هل نصف خالد بن الوليد بالقائد العظيم، أم نحاكمه على مذبحة بني جذيمة؟ هل نقدّس صلاح الدين بوصفه محرر القدس، أم نتوقف عند قسوته مع بعض خصومه؟ إنه التاريخ الرمادي من جديد: لا بياض مطلق، ولا سواد نقي، بل هو بشر، وقيم، وتناقضات، تُختزل أحيانًا في سطور قليلة، وتُروى بلسان الغالب.

إقرأ المزيد:  إفريقيا باعتبارها سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا: في الحبّ، الذاكرة، وتحرير المعنى

أخيرا، في عالمٍ تتسارع فيه محاولات طمس الماضي أو تزويره، يصبح “التاريخ الرمادي” موقفاً فلسفياً، لا هو إنكارٌ لما جرى، ولا هو تسليم بالسرد الرسمي. بل هو دعوة لمساءلة الحكايات، للبحث عن الصمت بين السطور، للإنصات إلى ما لم يُكتب، ولتفكيك ما كُتب بوصفه منتجًا للسلطة. قد لا نستطيع إعادة كتابة التاريخ، لكن بإمكاننا أن نقرأه بعينٍ أكثر تواضعًا وأقل يقينًا. فالحقيقة ليست معطى، بل سؤال. والتاريخ، في نهاية المطاف، ليس مرآة الماضي، بل صراع الحاضر على معناه.