التعليم التحرري.. نحو استعادة الوعي الإنساني بالعالم

الحرية تبدأ عندما يتحول التعلم إلى فعل وعي وفهم، لا إلى تقليد مطلق للآخر.”

ما الذي يجعل التعليم فعلًا للتحرر لا عمليةً تقنية لنقل المعارف؟ تنبع الفلسفة التربوية التحررية من هذا السؤال الجوهري الذي يعيد النظر في طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة، فهي تنطلق من تصور يرى في التعليم تجربة وجودية تهدف إلى تحرير الإنسان من الاغتراب ومن أشكال السيطرة التي تُكبّل وعيه. إن التعلم في هذا الإطار، يتجاوز حدود التلقين إلى أفق المشاركة في اكتشاف الذات والعالم، حيث يتحول المتعلم إلى كائنٍ واعٍ بقدرته على التفكير والتغيير، لا متلقٍ لما يُقدَّم له. فالمعرفة هنا تُفهم بوصفها فعلًا نقديًا، يفتح المجال أمام الإنسان للمساهمة في بناء المعنى، وفي صياغة التاريخ من موقع الفاعلية لا التبعية.

من هذا المنطلق، يُعدّ البيداغوجي البرازيلي باولو فريري (Paulo Freire) من أبرز المنظّرين للتعليم التحرري في القرن العشرين، خصوصًا في كتابه الشهير Pedagogy of the Oppressed (1970)، حيث يرى أن الأنظمة التعليمية التقليدية تُمارس نوعًا من “الاستعمار الرمزي” عبر ما يسميه بـ “النموذج المصرفي للتعليم” (Banking Model of Education)، الذي يقوم على علاقة عمودية بين المعلّم بوصفه مالكًا للمعرفة، والمتعلم بوصفه مستقبلًا سلبيًا لها. هذا النموذج، وفق فريري، يعيد إنتاج البنية السلطوية في المجتمع، ويحوّل المتعلم إلى كائنٍ مطيعٍ منزوع الإرادة، بدل أن يكون فاعلًا نقديًا في العالم.

في المقابل، يقوم التعليم التحرري على منهج الحوار الذي يُعيد الاعتبار إلى التجربة الإنسانية للمتعلمين، ويجعل من الفعل التربوي عمليةً مشتركةً بين الذوات. فالمعلم والمتعلم يدخلان في علاقة أفقية قوامها “الوعي النقدي” (Conscientização)، أي إدراك الواقع من أجل تغييره. بهذا المعنى، يصبح التعليم فعل مقاومةٍ ضدّ ما يسميه فريري بـ”ثقافة الصمت”، أي ذلك النمط الاجتماعي الذي يُخضع الأفراد لمنظومةٍ فكريةٍ تبرّر واقعهم المقهور وتمنعهم من التساؤل عنه.

إقرأ المزيد:  بين ظلال الجهل ونور المعرفة: مأساة الوعي الإنساني

ويمكن القول إن هذا الفهم التحرري للتعليم يلتقي مع رؤية الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (John Dewey)، الذي اعتبر أن “التربية هي الحياة ذاتها، وليست إعدادًا للحياة” (Democracy and Education, 1916). إن التعليم في نظر ديوي، يجب أن يُبنى على الخبرة والتجربة، لا على التلقين، وأن يكون ديمقراطيًا في جوهره، إذ يُربّي الفرد على المشاركة والمسؤولية. هذا ما يجعل من المدرسة فضاءً لتعلّم الحرية، لا لممارستها شكليًا.

أما من منظورٍ وجودي، فإن التعليم التحرري يجد صداه في فكر مارتن هايدغر (Martin Heidegger) الذي رأى أن الوجود الإنساني لا يُفهم إلا من خلال الانفتاح على العالم (In-der-Welt-sein)، أي الوجود “في العالم ومعه”. فحين يتحول التعليم إلى حفظٍ ميكانيكيٍ للمعلومات، يُفقد الإنسان هذا الانفتاح، ويُختزل وجوده في وظيفةٍ تقنيةٍ لا تتجاوز الامتثال. من هنا، يصبح التعليم التحرري محاولةً لإعادة الإنسان إلى أصالته (Eigentlichkeit)، أي إلى وعيه بكونه مشروعًا مفتوحًا على الإمكان.

إن البنية السلطوية للتعليم التقليدي لا تنفصل عن البنية السياسية للمجتمع، فكل نظامٍ يسعى إلى تثبيت ذاته يبدأ بتشكيل وعي الأفراد على مقاسه. ولهذا، فإن تحرير التعليم يعني بالضرورة تحرير المجتمع من الهيمنة. فالتلميذ الذي يُمنح حقّ السؤال والاختلاف، سيكبر مواطنًا قادرًا على الفعل والمساءلة. أما الذي يُعلَّم الطاعة والانقياد، فلن يعرف سوى تكرار ما قيل له. إن التعليم التحرري، بهذا المعنى، هو مشروع سياسي بقدر ما هو مشروع تربوي، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والسلطة.

وفي زمن العولمة الرقمية، حيث تُختزل التجربة الإنسانية إلى بيانات، تتضاعف الحاجة إلى تعليمٍ يعيد للإنسان عمقه الإنساني وقدرته على التأمل النقدي. فالتعليم التحرري لا يكتفي بتزويد المتعلم بالمعارف، بل يسعى إلى تكوين وعيٍ قادرٍ على تمييز الحقيقة من الزيف، والمعنى من الضجيج. إنه، كما يقول فريري، “فعل حبّ”، لأن الحبّ هو الاعتراف بقدرة الآخر على أن يكون حرًا.

إقرأ المزيد:  أنطولوجيا الرمز “صحيفة المدينة”: نحو قراءة جديدة للتاريخ في مشروع النهضة

في الأخير، يُعيد التعليم التحرري للمدرسة معناها الأصلي كمكانٍ للإنسان، لا كمؤسسةٍ لإنتاج الامتثال والطاعة، لأن المعلم في هذا السياق ليس سلطة معرفية، بل رفيق طريقٍ في رحلة اكتشاف الذات والعالم. هكذا، حين يتحرر التعليم من منطق السيطرة، ويتحوّل إلى فعل حوارٍ نقدي، يستعيد الإنسان وعيه بقدرته على الفهم والتغيير، فيصبح التعليم أفقًا للحرية قبل أن يكون وسيلةً للترقي الاجتماعي.